السبت، 26 يوليو 2014

هدى بركات: أنا كالممثل الذي يسيطر على شخصية دوره ولا يندمح فيها

 هدى بركات: أنا كالممثل الذي يسيطر على شخصية دوره ولا يندمح فيها، والمسافة التي يتركها هي هامش الإبداع

"تعذبتُ في السيطرة على شخصية الرجل في بعض رواياتي"

المصدر: رشا المالح
التاريخ:
ورحلة هدى (1952) بدأت بالتدريس والصحافة والترجمة في مسقط رأسها لبنان، لتنشر أول عمل أدبي لها عام 1985 بعنوان «زائرات»، وهو مجموعة قصصية قصيرة. وسافرت بعدها لتستقر في فرنسا، وتصدر روايتها الأولى «حجر الضحك»، ولتتبعها بأربع روايات هي؛ «أهل الهوى» و«حارث المياه» و«سيدي وحبيبي»، وروايتها الأخيرة في نهاية عام 2012 بعنوان «ملكوت هذه الأرض».



مسافات

هل تتماهين مع شخصيات روايتك أم تتركين مسافة؟
أنا كالممثل الذي يسيطر على شخصية دوره ولا يندمح فيها، والمسافة التي يتركها هي هامش الإبداع الذي يساعده على امتلاك أدواته لتأديتها بصورة استثنائية.

متى تفرضين على نفسك التوقف عن الكتابة؟
حينما أتأثر أو أستغرق بالأحداث التي أكتبها بين البكاء أو الضحك، أتوقف. الحالة التي أكتب خلالها مزيج من البرودة والقوة يمكنني من السيطرة على الشخصيات، لأبقى سيدة الموقف.

انفصال عن النص

حدثينا عن حالتك النفسية خلال الكتابة وتفاعلك مع الشخصيات.
مهم جداً المعرفة بأن الكتابة الروائية ليست تفريغاً للانفعالات والأفكار، فجزء كبير منها مهني يحتاج إلى لياقة نفسية وبدنية عالية، فالكتابة عندي أشبه بقفزة في الفراغ. هذه القفزة تكشف لي عن مناطق داخلية خطيرة كالأفخاخ، وعليه لا بد من تسلحي بالقوة، لأذكر نفسي أني لست أنا، فلا بد للكاتب الانفصال عن نصه ليحسن السيطرة.

وعندما أتعاطف أو أتفاعل كثيراً مع إحدى الشخصيات، أقوم بإبعادها، كما حدث معي خلال كتابتي رواية «أهل الهوى»، فقد تعذبت كثيراً في السيطرة على شخصية الرجل والبطل والراوي المطلق في العمل.

كانت شخصيته ذكورية متعبة، فهو مضطرب جداً وضعيف من الداخل، لدرجة أنا نفسي فوجئت بكيفية تركيبي مثل هذه الشخصية المعقدة من الخيال بالكامل، والمختلفة عن بقية شخصيات أعمالي. وكم دهشت مما أخرجته أعماقي، وأشفقت على ما فيها من عذاب وعنف ورفض لهذا المجتمع ولقانون الجماعة، وللعالم الخارجي وللكثير غيرها.

حزن ما بعد الرواية

هل تترك الرواية التي تكتبينها أثراً في نفسك بعد إنجازها؟ وإلى أي مدى؟
بعد كل رواية وبدون ادعاء، أصبح شخصاً مختلفاً عما كنت عليه، فمع كل عمل أكتشف أشياء في داخلي لم أكن أعرفها، تشعرني بالنضج وبنقلة نوعية في إنسانيتي وفكري. ولهذا السبب توجد مسافة زمنية كبيرة نسبياً بين أعمالي، وعدم تشابه بين رواياتي إلا في بعض الملامح. يمكنني تشبيه هذه النقلة النوعية بالمرأة التي تصبح أماً.

وحشة الغربة

كيف تحتفلين بفرح إنجاز روايتك وأنت في الغربة؟
في الغربة تشعرين بالوحشة، فليس هناك من يشاركك معنى هذه الفرحة، حتى عملك يُطبع في بلد آخر، ولا تكونين أول من يمسكه بين يديه. أن أكون بعيدة عن مثل هذه «الاحتفاليات»، يجعلني شخصاً متواضعاً للغاية. ففي بلداننا كثيراً ما يدخل الكاتب في حالة الوهم من مبالغة الأصدقاء وحماسهم، سواء في المقهى أو في حفلات التوقيع التي لا أشارك فيها على الإطلاق، لكونها أصبحت كالبروتوكول، فهي تفرض على الكاتب حساسية هو بغنى عنها، نتيجة من حضر ومن غاب من الأصدقاء.

ولا ننسى أن معظم المثقفين العرب يجاملون بعضهم بعضاً، وبصفتنا ميالين إلى تصديق من يصفنا بأننا عباقرة، فإن الغرور سرعان ما يسيطر علينا، ويفقدنا خصوصية حالتنا الداخلية.

بالمقابل يعنيني ويهمني جداً تلقي نقد أعمالي والانطباعات، خاصة أني أكتب بالعربية وعن العالم العربي، كل ما هنالك أن الغربة تجعلك أكثر تواضعاً، وعندما تعتادين عليها تعرفين كيف تتفاعلين معها ومع شؤون حياتك.
ولكون أعمالي ذات عمق وقيمة فكرية وأدبية، فأنا لست كاتبة ذات شعبية، لذا فإن أية رسالة تصل إليّ من قارئ أو ناقد أو دعوة عربية للمشاركة في فعالية ما، تشعرني بالغبطة، وتعوض شعوري بوحشة الغربة.

لعبة الشهرة

هل شهرة الكاتب العربي برأيك نعمة أم نقمة؟
لعبة الشهرة حزينة، وفيها الكثير من المآسي والنجاحات، بالنسبة إليّ أراها بمنظور مختلف، فحينما أقرأ كتاباً جميلاً أحتفي به مع نفسي ومع الآخرين، لذا أفاجأ من نزعة القول «آخذة أكبر من حجمها»، وغيرها من الانتقادات الجارحة التي تعتبر جزءاً من قانون اللعبة.
وفي قانون اللعبة الإنسان كائن اجتماعي، والبعد عن الوحدة فيه الكثير من المكاسب، لكن الوحدة أيضاً تساعد على اكتشاف الإنسان مكامن قوته وضعفه وتطويرها، والتمسك بالكتابة دون شوائبها.

لغة وجذور

تعيشين في الغربة منذ عام 1989، ومصرّة على الكتابة بلغتك العربية، لماذا؟
أولا ً أنا لم أهاجر من بيروت لأن لدي مشروعاً، بل هربت من الأحداث، ووجدت عملاً اعتماداً على مؤهلاتي الأكاديمية في اللغة الفرنسية والعلوم والحضارة والثقافة.

وحتى الآن، رغم حصولي على الوسامين، واهتمام الصحافة الفرنسية وتغطياتها لأعمالي، فإني لست إلا على هامش الهامش من الثقافة الفرنسية، فأنا لست من مجموعة الفرنكوفونية، فما أكتبه دائماً بالعربية، حتى في مقابلاتي مع الصحافة الفرنسية، أكتب لهم بالعربية، ويسألونني عن سبب ذلك مع معرفتي بإجادتي للغتهم.

هذا الإصرار لقناعتي أن لديّ لغتي الأم التي تعبت عليها، وفي داخلي أقول أنا لا أكتب لكم. موضوعي وعالمي الأساسي هو اللغة والعالم العربي وما فيه من أحداث. العالم الغربي أراد 10 – 15 سنة في فهم ما يجري عندنا في الشرق، وأدرك أخيراً أن عليه فهم ثقافتنا وحضارتنا، لذا بادر بترجمة الأعمال المكتوبة بالعربية، واعتمد الغرب مقولة لمعرفة ما يقوله ويفكر فيه هؤلاء البشر: «اذهبوا إلى لغاتهم»، وإن كنت كاتباً مميزاً، فحتماً ستكون ضمن دائرة اهتمامهم.

المعادلة الجديدة جعلت كتّابنا العرب يقفون في مصاف رواد الأدب عندهم، وليس في مصاف كتّاب الفضائح! خاصة بعد إدراكهم ما أغفله المستشرقون بنظرتهم الدونية لأدب الغير. أنا عملياً قابلة بهذه المعادلة وممتنة لها، وتشكل بالنسبة إليّ إضافة موضوعية لأعمالي وللغتي العربية.

نوازع هوية

كيف تستلهمين فكرة رواياتك؟
كل رواية لها حكاية، وحكاية روايتي الأخيرة «ملكوت هذه الأرض» بدأت بالإعداد لها منذ زمن بعيد، لاحتياجها إلى بحث طويل عن المصادر للمرحلة ما بين 1920 وبداية الحرب الأهلية في لبنان، كذلك الحاجة إلى التفرغ الكامل. وهذا البحث بعيد عما سجله تاريخ المنطقة الذي كان وهماً، خاصة بغياب وجود تاريخ علمي عقلي، فتاريخنا محكومٌ بنوازع هويتنا الطائفية والدينية، لدينا تواريخ متنوعة للاعتداد بالنفس والاستعلاء على الآخر.

هذه النوازع فتتت مجتمعاتنا، وأؤكد هنا أننا لم نصل بعد إلى مفهوم اللحمة الوطنية الجامعة لأبناء الوطن، أو المواطنة والهوية الوطنية. ما زالت دولنا العربية حديثة العهد بهذا المفهوم.


جوائز
منحت هدى بركات عام 2002 وسام الثقافة والفنون برتبة فارس من فرنسا، ومن ثم وسام الاستحقاق الوطني الفرنسي برتبة فارس لقاء إبداعاتها في الأدب والصحافة عام 2008، إلى جانب فوزها بالعديد من الجوائز الأدبية، من ضمنها على الصعيد العربي جائزة مجلة الناقد للرواية عام 1990 عن روايتها «حجر الضحك»..
وجائزة نجيب محفوظ للأدب الروائي عام 2000 التي تقدمها الجامعة الأميركية في القاهرة لأفضل عمل روائي منشور باللغة العربية عن روايتها «حارث المياه». كما فازت على صعيد الترجمة بجائزة «أمالفي» في إيطاليا عن أفضل كتاب مترجم إلى الإيطالية من بين لغات المتوسط. وترجمت رواياتها إلى العديد من اللغات الأجنبية في مقدمتها الفرنسية والإنجليزية والألمانية.

«ملكوت هذه الأرض».. ميثولوجيا وتاريخ

في رواية «ملكوت هذه الأرض» اختارت هدى بركات معظم شخصيات روايتها من هامش الحياة، بأسلوب من يرغب في حديث عادي مع القارئ دون معرفته ما المغزى من الحديث إلا بعد حين. وليس في أعمالها فكرة أو إيديولوجيا أو فلسفة محددة تحاول برهنتها أو فرضها على القارئ، لتنبش، من خلال الأوهام والميثولوجيا والخرافة، ما في أعماق الزمن والنفوس والتاريخ والحب والمكان والحرب والسياسة، وصراع العلاقات الإنسانية.

تحكي الرواية مسيرة ثلاثة أجيال من حياة عائلة من إحدى الطوائف المسيحية في قرية بشري بجبل لبنان منذ بدايات القرن العشرين، ويتعرف القارئ إلى سكانها وطبعهم الناري بتاريخهم وأرضهم وقديسيهم وأشجار الأرز التي يعتزون بها.
ويقوم بدور الراوي بالتناوب كل من البطلين سلمى وشقيقها الصغير طنوس، ليحكي كل منهما قصة حياته منذ وفاة والدهما المفاجئ ومن ثم الوالدة. وتتداخل الحكايات بنسيج تغزله هدى بجماليات لغته المطعمة بالمحكية تبعاً لخلفية كل شخصية، لنتعرف إلى سلمى الكبيرة التي تعتني بشقيقيها وأخواتها الثلاث، مكرسة نفسها لرعايتهم.

ويتعرف القارئ من خلالهما إلى تفاصيل مجتمعهم وشخصيات متنوعة بقناعاتها وتعصبها وضعفها وقوتها، والطمع الذي يتغلب على صلة الدم، والتعاطف والنزعة للجماعة، والتكبر الأعمى مثل مصير أطباء الأشجار الأجانب الذين قالوا إن الأرز مريض قليلاً، فضحك الناس ولم يصدقهم أحد، وأثيرت الأقاويل كالقناعة أن الأرزات لا تمرض، لأنها محمية منذ الأزل، وهكذا تتحول الأرزات إلى ما يشبه الأسطورة الغامضة بين السكان.

وتدخل الروائية في عمق شخصية البطلين، إذ تستيقظ سلمى فجأة من سبات حياتها وتتساءل، «استعرت حياة من أحببت ولفقت حياةً لي. استدنت حياتي ديناً، واعتقدت أنها ملك لي فيه صكوك. كان أجدى ألا أستفيق الآن».

الخميس، 24 يوليو 2014

بمناسبة مرور 100 عام على وفاة الأديب الروسي تشيخوف (إعادة نشر)

احتفالات عالمية بمرور 150 عاماً على ميلاد تشيخوف

احتفالات عالمية بمرور 150 عاماً على ميلاد تشيخوف


قال أنطون تشيخوف في المرحلة الأخيرة من حياته لصديقه الكاتب إيفان بونين، «ستقرأ أعمالي من قبل العامة لمدة سبع سنوات». وحينما سأله بونين، «لماذا سبع سنوات» أجاب: «ربما سبع ونصف، لا بأس بذلك. فأنا لن أعيش أكثر من ستة أعوام». كان توقع تشيخوف متواضعا وخاطئا؛ فقد توفي قبل مضي ست سنوات (1904)، وعاشت أعماله زمنا مديدا، والدليل على ذلك الاحتفال العالمي بأدبه هذا العام بمناسبة مرور 150 عاماً على مولده.

تشيخوف بحر بمفرده في محيط الأدب العالمي، ومن الصعب وصف انجازاته وتأثيره الكبير على الأدب في مقالة. لكن ما هو أكيد أنه عراب المسرح العبثي في القرن التاسع عشر وشكسبير المسرح الروسي، وأيضا رائد المدرسة الواقعية لأواخر القرن نفسه. على صعيد المسرح اشتهرت مسرحياته الأربع التي لا تزال تعرض في أهم مسارح العالم وهي، «النورس» (1896)، و«العم فانيا» (1900)، و«الشقيقات الثلاث» (1901)، و«بستان الكرز» (1904).

وعلى صعيد القصة القصيرة، قدم ما يزيد على 600 قصة قصيرة تعتبر من روائع هذا الجنس الأدبي، أشهرها «الراهب الأسود» و«السيدة والكلب». كما انتقلت أعماله إلى السينما التي قدمت روائع الأفلام الكلاسيكية من وحي قصصه ومسرحياته.
أما خلود أعماله فنابع من تناوله الجانب الإنساني في الحياة بأسلوب الكوميديا السوداء، وتناول فيها كل من، حضور الموت والمرض، ومعظم أبطاله يعانون من مصير تراجيدي أو موت مفاجيء. والمرض عنده ناتج من معاناة وصراع داخلي، وقد تناوله تشيخوف بعيدا عن مشاعر الشفقة ورثاء النفس، حيث أغلب شخوصه مدفوعة دوما بقوى تفوق قوة إرادتها. كما يتناول المرض كرمز على تداعي وصراع المجتمع.

والمحور الآخر، هو أوهام وخيبة أصحاب المثل العليا. كما تناول انهيار المجمتع الارستقراطي وبداية عهد جديد، حيث بدأت ميزات تلك الطبقة بالانحسار ابتداء من تحرير القصير الكسندر الثاني للعبيد في روسيا عام 1861 حينما كان عمر تشيخوف عاماً واحداً.
وقد تضمنت احتفالات العالم بتشيخوف حتى الآن، تقديم أعماله في المسارح والإذاعات البريطانية، حيث سيقدم المسرح البريطاني مسرحيته «بستان الكرز» التي أخرجها ريتشارد آير، مع قراءات نقدية لقصصه وشخصيته من قبل عدد من النقاد والروائيين والممثلين. وسيقوم الممثل مايكل بينينغتون من خلال مسرح هامبستيد، بحملة تبرعات لأجل ترميم البيت الذي عاش فيه في يالتا (شمال ساحل البحر الأسود)، خلال الفترة من 1899 إلى 1904.

تنظم روسيا في قاعة أرشيف الفيدرال ستيت معرضا هو الأول من نوعه، حيث يتضمن هذا المعرض الذي يحمل اسم «المسرحية غير المكتملة»، جميع المقتنيات الخاصة بتشيخوف الابن والأخ والطبيب والصديق والزوج والفيلسوف. ويبلغ عدد المعروضات 350 قطعة، بما فيها أوراقه وكتاباته ومقالاته ورسائله إلى أصدقائه الكتّاب إلى جانب صور نادرة له مع أفلام وثائقية.
كما ستقدم في بلدة تاغانروغ مسقط رأسه، قراءات لأعماله كجزء من برنامجها الذي يقام كل عامين منذ عام 1960، لتعريف الأجيال الجديدة بأعماله، إلى جانب مؤتمر عالمي حول نتاجه، خلال الفترة من 18 إلى 23 مارس، وذلك بالإضافة إلى العروض المسرحية في مختلف مدن روسيا.

في أميركا، يقدم مسرح «شيكاغو شكسبير» عروضاً لمسرحياته، خلال الفترة من 17 إلى 20 مارس. كما تستمر عروض شركة سيغال للأفلام التي اختارت سبعة أفلام كلاسيكية اقتبست قصصها من أعماله، حتى نهاية شهر فبراير بواقع عرضين لكل فيلم. كما أصدرت الشركة الاسترالية «بيرث مينت» للمصكوكات، 6000 ميدالية فضية تحمل صورة تشيخوف على الوجه الأول، وطائر النورس مع قناعي المسرح المضحك المبكي على الوجه الآخر، وقد أعلنت عن مزاد بيعها على موقعها الالكتروني.

إضاءة
أكثر بساطة
قال الكاتب الروسي الكبير مكسيم غوركي (1868-1936)، «أعتقد أن كل شخص في حضرة أنطون تشيخوف، يشعر برغبة عفوية لأن يكون أكثر بساطة، وأكثر حقيقة، وأن يكون نفسه».

الاثنين، 6 يناير 2014

أبرز إصادارات الكتاب العربي لعام 2013

أبرز مبادرات وإصدارات الكتاب العربي

يحظى الكتاب المطبوع والإلكتروني عاماً تلو الآخر باهتمام أكبر في العالم العربي، وبإقبال أوسع من القراء، خاصة في الحقبة الأخيرة، حيث برز العديد من الكتاب الشباب الذين اقتحموا ساحة الأدب بعدما كانت حكراً على الكتّاب الذين تألقوا في السبعينات والثمانينات من القرن الماضي، والذين عزلوا أنفسهم عن واقع الحياة اليومية ليكتبوا من وحي الذات، مما دفع الجمهور إلى العزوف عن أعمالهم وعن الكتاب بصورة عامة.
كما ساهم في هذا العزوف، تبني دور النشر مفهوماً تجارياً دون الاهتمام بمعايير النوعية والجودة، مما عمّق من الفجوة بين القارئ والكتاب، خاصة وأن قيمة الكتاب النقدية في ارتفاع مستمر مقابل ضعف دخل الفرد في مواجهة الغلاء.

نبض الشارع
استطاع الكتّاب الشباب الذين تناولت أعمالهم نبض الشارع العربي ومعاناة الإنسان العادي، في استعادة نسبة من القراء وكسب ثقتهم من جديد، والذين كان يعنيهم قراءة صدىً لواقعهم بعيداً عن القيمة الأدبية للكتاب، حيث استطاع هؤلاء الكتّاب اكتساب شريحة جديدة من القراء الشباب.
أما القيمة الأدبية للكتاب فوجدت من ينهض بها مجدداً من خلال مجموعة من الجوائز التي بادرت بها بعض البلدان وفي مقدمتها الجائزة العالمية للرواية العربية التي انطلقت عام 2007، والتي لعبت دوراً بارزاً في الترويج للكتاب، من خلال المصداقية التي بات القارئ يعتمد عليها في اختيار الكتب ذات القيمة الفكرية والأدبية سواء في القائمة الطويلة أو القصيرة للجائزة. فالفائز بتلك الجائزة يكتسب رصيداً من القراء لأعماله المقبلة إلى جانب ترجمتها إلى لغة أخرى.

مبادرات معرفية
كما ساهمت مبادرات أخرى في ترجمة الكتب الأجنبية إلى العربية مع دعم دور النشر، آخذة في الاعتبار حاجة الأفراد إلى المعرفة الإنسانية وتطوير قدراتهم الشخصية والفكرية والعلمية، مثل مبادرة برنامج "ترجم" الذي أطلقته عام 2008، مؤسسة محمد بن راشد آل مكتوم، والذي يُعنى بالكتب التي تدعم التنمية المستدامة في الوطن العربي وفي مقدمتها كتب الإدارة، ومشروع "كلمة للترجمة" الذي يحظى بدعم من هيئة أبوظبي للثقافة والتراث منذ انطلاقته عام 2005، إلى جانب المؤتمرات التي تنظمها معارض الكتاب في كل من الشارقة وأبوظبي لدور النشر بهدف الارتقاء بمعرفتها وتشجيعها على الترجمة والتواصل مع دور نشر أجنبية.
وبادرت مؤسسة محمد بن راشد آل مكتوم هذا العام الذي شهد إصدارات لكتّاب إماراتيين جدد من دور نشر محلية، بإطلاق ثلاث مبادرات تعنى بالكاتب والكتاب من منطلق المعرفة التي تنهض بالمجتمعات، أولها "برنامج دبي الدولي للكتابة" الذي يهدف إلى دعم المؤلفين الإماراتيين والعرب وصقل مهاراتهم وقدراتهم للوصول بهم إلى العالمية، في شتى مجالات المعرفة من العلوم والبحوث إلى الأدب.

كتاب في دقائق
أما المبادرة الثانية فهي مشروع "كتاب في دقائق"، ويتمثل في إصدار المؤسسة لملخصات ثلاثة كتب من المؤلفات العالمية شهرياً، ليتناول كل إصدار ثلاثة مواضيع متجددة مرتبطة بالواقع واحتياجاته، والتي تشمل الأسرة وتنمية الطاقة الإيجابية، إلى جانب الإدارة والموارد البشرية وفنون التعامل مع الحياة، والقدرة على اكتشاف المكونات الفريدة والمميزة داخل الأفراد وانطلاقهم لعالم أوسع مدعمين بالنجاح.

عائلتي تقرأ


تتمثل المبادرة الثالثة في المشروع المعرفي "عائلتي تقرأ" الذي يهدف إلى توزيع 20 كتاباً، على ما مجموعه 50 ألف أسرة إماراتية، لتشكل هذه الكتب، نواة لمكتبة منزلية لدى الأسر، التي في طور تأسيس مكتبتها الخاصة، مع توقعات باستكمال التوزيع قبل نهاية العام المقبل.

«ومضات من فكر» يتصدر الكتب الواقعية الأكثر رواجاً 2013


تتنوع مواضيع الكتب الأكثر مبيعاً في الكتب الواقعية بين الإدارة وتطوير الذات والمعرفة والدين والسياسة والتاريخ وأدب السيرة والرحلات وفي مختلف المجالات الفكرية والعلمية والبحثية، وقد تصدر قائمة الكتب الأكثر رواجاً لعام 2013 كتاب "ومضات من فكر" لصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي...

ويضم الكتاب أفكاراً وآراء من وحي الجلسة الحوارية في القمة الحكومية التي عقدت في فبراير من العام الجاري، إضافة إلى موضوعات منوّعة، تتنقل ما بين العام والخاص، لتضيء الومضات مساحات جديدة في تجربة ثرية، تجمع ما بين القيادة والإبداع والتواضع والفروسية، وعشق الرقم (واحد) والمركز الأول، وعدم الاعتراف بكلمة "مستحيل".

كتب أخرى
ضمن قائمة الأدب الواقعي 2013 احتل كتاب "إماراتي في الرياض" لمحمد المرزوقي مراكز متقدمة، وقد كتب الكتاب بأسلوب اليوميات ويروي المرزوقي فيه ذكرياته وانطباعاته في العاصمة السعودية، والفترة التي أمضاها هناك، والتي تجاوزت سبع سنوات عندما أخذته وظيفته إلى مدينة الرياض ضمن فريق عمل تأسيس شركة موبايلي، ويتميز عمله بأسلوبه التحليلي والنقدي.

وأيضاً كتاب "المثقفون المزيفون" للكاتب الفرنسي باسكال يونيفاس، الذي يتناول أنشطة وأفكار سبعة من المثقفين والإعلاميين الفرنسيين الأكثر شهرة في فرنسا والعالم الفرانكفوني، وبعضهم معروف على نطاق دولي، والذين يصفهم بالمثقفين المرتزقين.

مذكرات حافلة
على الرفوف خلال عام 2013 تابع القراء "مذكرات مصطفى محمود" للكاتب السيد الحراني بشغف وهي مذكرات حافلة برحلاته حول العالم وطرائف كثيرة صادفها، منها قبيلة نمنم والتي لا يعمل فيها الرجال، وقبائل الشيلوك والدنكا التي تعرف على دياناتهم العجيبة والتي منها عبادة النهر والأسد والنار، والطوارق الذين يعتبرون الفم عورة ويعيش الرجال ملثمون والنساء متبرجات، وشاهد الحملات التبشيرية التي تتزاحم في تلك الأماكن النائية تحت شعار التحديث والتنمية.

كما حصد كتاب «أئمة الشر» لثروت الخرباوي نصيباً من القراء، وفي هذا الكتاب عرّف الخرباوي بمراحل وخطوات دخول جماعة الإخوان، واختبارات الطاعة التي يجرونها للأعضاء الجدد قائلاً إنه طوال فترته في الجماعة لم يكن يتعامل معها باعتبارها طريقاً للجنة مثلما كانوا يقولون لنا، أو أنني لمجرد دخولي الجماعة قد حصلت على صك دخول الجنة.

كما أثار كتاب "أصول القضاء الإداري في النظام الإسلامي" لـداوود الباز، إشكالات أعادت قراءة التاريخ الإداري، حيث قدم الكتاب سمات الإدارة واختصاصاتها ليضم الفصل الأول ماهية القضاء الإداري وسماته، ليتناول الفصل الثاني اختصاصاته وولاياته، أما الفصل الثالث فيحكي عن تميزه ومميزاته.

الرواية تتقدم على أجناس أدبيـــــــة ومعرفية في سباق القارئ

على صعيد الكتب الأكثر مبيعاً في العالم العربي أو تلك التي تركت أثراً في الساحة الأدبية، تبقى الرواية في مرتبة الصدارة متقدمة مختلف الأجناس الأدبية والمعرفية. والمفارقة تفوق رواية ما لكاتب مغمور بعدد مبيعاتها وطبعاتها على الأعمال الأدبية من خلال خطة الترويج التي تعتمد على وسائل التواصل الاجتماعي. ومن جهة أخرى يبقى لكل جنس أدبي جمهوره من القراء، وإن كان التاريخ هو الحكم النهائي بشأن قيمة الرواية واستمراريتها.

أدب الخيال
تصدرت الرواية قوائم الأعمال الأكثر مبيعاً لعام 2013، من ضمنها القائمة القصيرة للجائزة العالمية للرواية العربية، التي تنوعت مواضيعها ما بين الفساد السياسي والتطرف الديني ووضع المرأة والنفاق الديني والاجتماعي.. والتي تضم ستة أعمال في مقدمتها رواية "ساق البامبو" التي فازت بالمركز الأول للكاتب الكويتي سعود السنعوسي، وتتناول الرواية موضوع الهوية من خلال شاب هو ثمرة زواج بين ثقافتين الأب الكويتي والأم الفلبينية، وصراعه بين مجتمعين.

في القائمة
ضمن القائمة أيضاً رواية "يا مريم" للروائي العراقي سنان أنطون، وتدور أحداث الرواية في يوم واحد، يُختزل فيها المشهد العراقي برؤيتين مختلفتين لشخصيتين من جيلين مختلفين الرجل العجوز الذي مرت عليه أزمنة جميلة، والفتاة الشابة التي عاشت في زمن لا يحمل سوى المرارة.

إضافة إلى رواية "أنا وهي والأخريات" للبنانية جنى فواز الحسن، وهي رواية تأملية في القيم والأخلاق من جهة، والمتعة من جهة أخرى واقترانها بالحرية والمطلق، بأسلوب سردي تغريبي، في سعي لإعادة النظر في المحظورات المتراكمة عبر السنين في المجتمع الشرقي.

سلال القارئ
دخلت سلال القارئ في أدب الخيال 2013 أيضاً رواية "مولانا" للمصري إبراهيم عيسى، حيث يتحول واعظ إلى نجم في الفضائيات بفعل كاريزما شخصيته وسرعة بديهته وأسلوبه الساخر، ودبلوماسيته البارعة في إرضاء جميع الأطراف.
و"سعادته السيد الوزير" للتونسي حسين الواد، التي يصل فيها أحد المواطنين بشكل غير متوقع إلى منصب الوزير، ليشهد الفساد بأم عينه ليصبح بعد مضي زمن جزءاً منه.

إضافة إلى "مملكة الفراشة" للروائي الجزائري واسيني الأعرج، وتتوزع شخصيات الرواية ما بين بيت جزائري، وأصدقاء هذا البيت، والفيسبوك، وفتاة تهرب من عزلة ضاربة تلف حياتها، ومن ذكريات الآلام والرحيل والعنف في العشرية السوداء لبلادها، إلى مملكة الفيسبوك الزرقاء حيث تستأنف حياتها افتراضياً.

نادي السيارات
من ضمن القائمة أيضاً "نادي السيارات" للروائي المصري علاء الأسواني، وتصور الرواية واقع المجتمع المدني في أربعينيات القرن الماضي، لتطرح شخصيات عديدة تساؤلات بقيت قائمة في مصر حتى اليوم. ويرى بعض النقاد في الرواية صورة مصغرة لمصر بعد ثورة 25 يناير.

و"ياسين قلب الخلافة" للكاتب المغربي عبدالإله بن عرفة، التي تتناول السيرة الملحميّة للسلطان عبد الحميد الثاني أبرز الخلفاء العثمانيين، الذي حافظ على إرث الإمبراطوريّة المترامية الأطراف بحكمة ودهاء نادرَيْن مدّةَ ثلاث وثلاثين سنة قضاها على رأس الدولة العليّة، انتهجَ خلالها سياسةَ الحِياد المطلق بين الأُمَم لِيُقَوِّضَ الأطماعَ الاستعماريّة حيناً من الدَّهر، حتى كان ما كان من عَزله وسَجْنِه إلى أن تُوُفِّيَ في سجنه مهموماً مغموماً.

ونالت "لوعة الغاوية" لعبده خال مبيعات، التي تروي دخول مبخوت القرية غريباً، وتسبب عطفه على فتياتها بإخراجه منها مُتَّهماً بهنّ، إذ لم تجد فتون مأمناً غير بيت مبخوت لتخفي جرحاً بين ساقيها. ومبخوت الذي يبحث عن أُنس حبيبة طفولته يتورط في قتل زوجها دون تخطيط مسبق.

إَضافة إلى (لا سكاكين في مطابخ هذه المدينة) للسوري خالد خليفة، التي تنهمر ذكريات بطلها مستعيداً تاريخ عائلته. ليتعرف القارئ على الأم التي تتزوج من شاب ريفي رغم رفض أهلها، فتعيش عزلتها المختارة، بعيداً عن العسكر القادمين إلى مدينتها الأثيرة "حلب"، متعالية على الجميع في محاولة لنسيان عارها من زوجها الذي هجرها مع امرأة أميركية تكبره بثلاثين سنة.

ورواية "القندس" للسعودي محمد حسن علوان، حيث جاء "غالب" إلى المدينة للبحث عن ذاته لم يجد أمامه سوى هذا القندس، ولأنه لا يمكن التعبير عن ذاته إلا عبر ذوات الآخرين، راح يتأمل حياة القندس ويحيل كل صفاته الحيوانية على عائلته، فحولهم جميعاً إلى قنادس وراح يتأملهم ويحلل كل تصرفاتهم.



أدب مترجم

حظيت ضمن الروايات المترجمة "لقيطة اسطنبول" للروائية التركية إليف شافاك بمتابعة، وتتناول الرواية نساء عائلة قزانجي التي تعيش في منزل كبير: زليخة، الأخت الصغرى التي تملك صالوناً للوشم، وهي والدة آسيا اللقيطة، وبانو، التي اكتشفتْ أخيراً مواهبها كمنجّمة، وسيزي، الأرملة والمدرِّسة، وفريدة، المهووسة بالكوارث؛ أما الأخ الأوحد، فيعيش في الولايات المتحدة، وسوف تكتشف ابنته أرمانوش، بالتعاون مع آسيا، أسراراً كبيرة عن العائلة وعن تاريخ تركيا الحديث.

والشيء نفسه بالنسبة إلى "الجحيم" للروائي الأميركي دان براون، حيث يأخذ براون القراء برفقة بطله في الروايات الخمس السابقة روبرت لانجدون، في رحلة إلى عمق جحيم ملهاة الشاعر الإيطالي دانتي، لحل شفراته ورموزه ضمن مغامرات ومطاردات وأحداث معقدة وشيقة.

«صُنع في الإمارات» مشروع كتب للأطفال


"صُنع في الإمارات" مشروع كتب لأطفال الدولة، تم تنظيمه بالتعاون بين المجلس الإماراتي لكتب اليافعين ومعهد غوته الألماني، بهدف تشجيع تطوير أدب الطفل الإماراتي على مستوى نصوص ورسوم، ليعكس القيم الثقافية واهتمامات الأطفال الإماراتيين.
وتضمن المشروع عقد ورش عمل خلال الدورة الأخيرة من معرض أبوظبي الدولي للكتاب، من ضمنها ورشة ركزت على أدب الخيال والخيال العلمي لليافعين، تحت شعار "كلمات عوالم خيالية" اجتمع فيها عشر كتاب إماراتيين شباب مع مؤلف قصص الخيال الألماني المعروف راينير فيكفيرث.
وبهدف جذب الجمهور، استضاف المعهد أحد الفنانين الذي بنى أمام الجمهور هياكل للمباني المعمارية الشهيرة باستخدام كتبه، وبذلك تمكن الجمهور من مشاهدة كيفية بناء كل من قصر الإمارات وقصر الحصن باستخدام الكتب فقط. كما استغل بعض الزوار الفرصة لمساعدة مهندس الكتب بمناولته إياها، في حين أبدى آخرون رغبتهم في شراء الكتب التي تم استخدامها للبناء.
ويسعى المشروع المعرفي إلى رفد الساحة بكتب إماراتية نوعية وتشجيع الكتاب والموهبين في مجالات الرسم، إلى تقديم كتب نوعية تمتزج فيها الكلمة بالصورة، وإتاحته للقراء الصغار واليافعين.

أدب الطفل ورهان المستقبل


تحظى كتب أدب الطفل وثقافته بتطور وتوسع عاماً بعد آخر، ليتضاعف عدد دور النشر العربية الخاصة بالطفل، بعدما كانت غائبة عن ساحة معارض الكتب، ولتنتقل دور النشر المعنية بهذا الشأن من الاعتماد على الأدب المترجم ورسوماته، دون اهتمام بحقوق الملكية الفكرية أو الموضوع البعيد عن عوالم الطفل العربي، اهتمام بالكتاب العرب المختصين بأدب الطفل، واعتماد معايير أعلى تهتم بالشكل والمضمون على حد سواء.

وساهم في تشجيع هذه الصناعة تكريس العديد من الجوائز العربية والأجنبية المعنية، مثل بعض معارض الكتب التي تعتمد معايير عالية لقبول مشاركة دور الأطفال إلى جانب المسابقات والجوائز مثل جائزة "اتصالات" السنوية لكتاب الطفل، ومهرجان الشارقة القرائي للطفل..
ومؤسسة آنا ليند التي يهدف برنامجها العربي الإقليمي لأدب الأطفال والقراءة إلى تطوير أدب الأطفال والترويج للقراءة من أجل الاستمتاع في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، خاصة في مصر والأردن وسوريا وفلسطين ولبنان، إضافة إلى جائزتها "اقرأ في كل مكان"، علماً أن الوكالة السويدية للتعاون الإنمائي الدولي تتولى تمويل برنامجها.

 

الاثنين، 16 ديسمبر 2013

سحر السيمفونية الخامسة لبيتهوفن

السيمفونية الخامسة

الموسيقى لغة إمتاع وتأمل

محدودة هي المعزوفات التي استطاعت، عبر تاريخ فن الموسيقى، الارتقاء إلى مكانة وروعة السيمفونية الخامسة للموسيقار الألماني لودفيغ فان بيتهوفن (1770 1827)، ففي هذه المقطوعة لم يقتصر إبداع بيتهوفن على ابتكار لغة موسيقية لا نظير لها في أصالتها وقوة تأثيرها في كل الأزمنة، بل في إخراجه الموسيقى من حدود قاعات الحفلات إلى عالم أوسع حال بأفكار الإنسان وتجاربه. وبرهنت السيمفونية الخامسة على مدى ما يفوق الـ 200 عام، أن الموسيقى تملك القوة على تغيير طريقة حياتنا وتفكيرنا. وتعد بذا، لغة إمتاع وتأمل.
 
دفع إعجاب الكونت أوبرسدورف، الشديد، في السيمفونية الرابعة التي كلف بيتهوفن بكتابتها، إلى تكليفه أيضاً، كتابة سيمفونية أخرى، ذلك مقابل 500 فلورينس، أسوة بالمقابل المادي للسابقة. ومنح هذا التكليف الموسيقار، فرصة إعادة جمع مسوداته لبعض الجمل الموسيقية، التي كان قد خطها ما بين عامي 1804 و1806، ليقرر بيعها إلى الناشر بريتكوف وهارتيل، بعد إنجازها.

استغرق بيتهوفن في كتابتها أربع سنوات، ابتداءً من ربيع عام 1804. وكانت تلك، المرحلة الأكثر ازدهاراً في فنه. ومن بين مقطوعاته الأخرى التي لا تزال حاضرة في زمننا المعاصر، سيمفونيتاه: الرابعة والسادسة، كونشيرتو البيانو الرابع، كونشيرتو الكمان، الجزآن الأولان من الأوبرا الوحيدة التي لحنها "فيديليو". وكانت هذه الأعمال وغيرها، التي كلف بها، أطالت زمن إنجازه للسيمفونية الخامسة، والتي كتب معظمها ما بين 1807 و1808.

خيبة.. فنجاح
كان العرض الأول لهذه السيمفونية، وكذا للسيمفونية السادسة في 22 ديسمبر 1808، على مسرح "دير وين" في فيينا، وشمل البرنامج، عزف كونشيرتو البيانو الرابع.. وبعض المقطوعات الأخرى لبيتهوفن. وكانت تلك السابقة الأولى من نوعها. وللأسف، لم يحقق العرض النجاح المتوقع، خاصة أن عازفي الفرقة كانوا من الدرجة الثانية..إلى جانب عامل البرد القارس في فترة العرض.
لكن هذا الفشل لم يستمر أكثر من عام ونصف العام، إذ سرعان ما حازت السيمفونية الخامسة لبيتهوفن، الانتباه والإعجاب، تحديداً بعد المقالة الطويلة التي كتبها الناقد والموسيقي والروائي الألماني، إرنست ثيودور هوفمان، حولها. إذ أشار إلى قدوم عهد جديد من الإبداع الموسيقي. وفيما يلي مقتطف مما ورد في المقالة: "حزم من الشهب تضيئ بوميضها سواد الليل، لنعي من حولنا هيمنة أشباحٍ عملاقة تتأرجح إلى الأمام والخلف.. والتي تطبق علينا حتى تدمر كل شيء فينا، باستثناء وجع حنين لا ينتهي لكل لحظة متعة انبثقت فينا من ارتفاع النوتات وانخفاضها. ويحاول هذا الألم الذي يستنزفنا، دون تدميره للحب والأمل والسعادة، الانفجار في صدورنا مع صدوح صوت الأنغام بعصف من المشاعر، التي نعيشها ونبقى أسرى روحانياتها".

الحركات الأربع
ومن الأسباب الأخرى لنجاح وشعبية هذه السيمفونية، أنها اختزلت كل ما في أسلوب بيتهوفن الموسيقي، ومن ضمنها عنصر "الذروة"، حيث بدت الحركات الأربع في حالة تصعيد للوصول إلى لحظة درامية، على خلفية إيقاعه المميز لثلاث ضربات قصيرة مقابل واحدة طويلة، وهو ما منحها شمولية ووحدة. ومع مضي الزمن، اكتسبت السيمفونية الخامسة مكانة رفيعة، إذ عزفت في حفل افتتاح برنامج فرقة "نيويورك فيلهارمونيك" عام 1842، وغيرها.

الصمم والإبداع
في هذه المرحلة، في الفترة القريبة من توقيت إنجاز السيمفونية، بدأ بيتهوفن يعاني ضعفاً متسارعاً في حاسة السمع، ويرجح البعض أن حالة الضعف هذه ساهمت في تأجيج ألحان سيمفونيته.
أما قصته مع الصمم فلم يعرف بها بداية، سوى أصدقائه المقربين، البعيدين جغرافياً.. والذين كانوا يعيشون في بون في ألمانيا. وحين لم يعد باستطاعته إخفاء صممه، استخدم بيتهوفن الورقة والقلم للتواصل مع الآخرين. وفيما يلي مقتطف من مراسلاته عام 1801، التي تصور تأزم حالته المرضية: "بالطبع، عاهدت نفسي على الترفع عن أية صعوبات، ولكن كيف أتمكن من ذلك مع الصمم؟".
لم يكن صمم بيتهوفن مفاجئاً.. إذ تطور تدريجياً، أما مأساته، فتمثلت في إدراكه عدم توفر أي علاج لحالته. وبلغ مدى سوء حالته، أن وصل مرحلة الصمم الكامل في عام 1818.

وأرجع بيتهوفن سبب معاناته، كما ورد في إحدى رسائله إلى صديق عام 1801: "لا بد أن أسباب حالتي تعود إلى بيت الداء معدتي، والتي، كما تعرف، كانت متشنجة في حالة دائمة، وتزداد سوءاً. وطلب مني فرانك أن أتناول الأدوية التي تحفظ التناغم في جسمي، ومحاولة استعادة سمعي باستخدام زيت اللوز. وللأسف لم يكن من العلاج أي جدوى".

النوتات الأربع
استخدمت النوتات الأربع الأولى من سيمفونية بيتهوفن الأشهر في عالم الموسيقى، بعد الحرب العالمية الثانية، كعلامة للنصر. ذلك نظراً للشبه بينها وبين شيفرة مورس الخاصة بكلمة الانتصار، وكان لآخرين تفسير مختلف، إذ عنت لهم المقدمة، حتمية مصير القدر.

سيرة بيتهوفن
ولد الموسيقار الألماني لودفيغ فان بيتهوفن، الذي يعد أحد أبرز عباقرة الموسيقى، عام 1770، في مدينة بون. ويعود إليه، الفضل في تطوير الموسيقى الكلاسيكية. وألّف أول مقطوعة موسيقية حين كان في الثامنة من عمره. وبدأت تراجيديا بيتهوفن مع المرحلة الأولى من فقدانه السمع، بينما كان في الثلاثينات من عمره، ما دفعه إلى تحدي إعاقته بإبداع المزيد من الأعمال الخالدة.
ومن أجمل أعماله، السيمفونيات: الخامسة والسادسة والتاسعة. ووافته المنية في فيينا، عام 1827، بعد أن كان قد استقر هناك. وتشمل مؤلفاته للأوركسترا، تسع سيمفونيات، مع خمس مقطوعات موسيقية للبيانو، ومقطوعة للكمان، إلى جانب تأليف العديد من المقطوعات الموسيقية التي كُلف بها مثل مقدمات للأوبرا.

في الفن
1999
أمضى الفنان المعاصر والمخرج السينمائي الأميركي، بيكسوت هانت، الذي أخرج فيلم الرسوم المتحركة "فانتاسيا 2000" لوالت ديزني عام 1999، قرابة العامين، في ابتكار قصة متخيلة من وحي النوتات الأربع الأولى من السيمفونية الخامسة، التي مدتها ثلاث دقائق. إذ تعتبر مقدمة ذاك الفيلم. واستلهمت القصة من إيقاع ديناميكي لألوان الباستيل التي شكلت غيوماً وشلالات.
في تلك النوتات تتجلى قوة الصراع الأزلي بين الخير والشر، ومن ثم استلهمت أشكال المثلثات التي تعكس الجهتين. واستلهمت حركة مثلثات الشر من الخفاش بألوانه الداكنة، أما مثلثات الخير من الفراشات بألوانها المشرقة.

في السينما
1930 الفيلم السريالي الكوميدي الفرنسي "عصر الذهب"، الذي كتبه الفنان سلفادور دالي وأخرجه لوي بورنيل.
1934 فيلم الرعب الأميركي "القط الأسود"، للمخرج ادغار جي أولمر الذي حقق نجاحاً استثنائياً.
1936 الفيلم الفرنسي "حب بيتهوفن الأكبر"، من إخراج إيبل غرانس.
1956 الفيلم الأميركي (1984)، المقتبس من رواية جورج أورويل. وأخرجه ميكائيل أندرسون. ومن بطولة إدموند أوبريان.
1958 فيلم "قطة على سطح صفيح ساخن"، للكاتب المسرحي الأميركي تينيسي وليامس. ومن إخراج ريتشارد بروكس، الذي مثّل فيه النجمان: اليزابيث تايلور وبول نيومن.
1994 الفيلم الأميركي البريطاني "المحبوب الأزلي"، الذي يتناول قصة حياة الموسيقار لودفيغ بيتهوفن، من خلال صديقه المقرب أنطون شيدلر، لكاتب السيناريو والمخرج بيرنارد روز.
2003 الفيلم الأميركي "بيتر بان"، للمخرج بي جيه هوغان.

السبت، 14 ديسمبر 2013

تطرّف امرأة في الحب والانتقام


«ميديا»

تطرف امرأة في الحب والانتقام




مسرحية «ميديا» من المسرحيات التي تبقى في الذاكرة، ويكمن السبب في حبكتها التراجيدية التي كتبها الإغريقي يوروبيديس، والتي أثارت لدى عرضها للمرة الأولى، عام 431 قبل الميلاد، جدلاً واسعاً بين الجمهور الأثيني، حيث خرج يوروبيديس بحبكة الصراع عن المألوف في الأعراف الاجتماعية، من خلال ردة فعل الأميرة ميديا بطبيعتها التي تجمع بين أقصى مشاعر التطرف في الحب والانتقام.
ويُفضل لمن يرغب في قراءة المسرحية، أن يأخذ في الاعتبار الأسطورة الإغريقية والخلفية التاريخية التي بنيت عليها حبكة الصراع، فهناك انتماء الأميرة ميديا لبيئة توصف بالبربرية..
والأطماع في النفوذ التي تتغلب على القيم الإنسانية، وعصف المشاعر بين الحب والتدمير والخيانة، التي تحول الجريح إلى وحش مفترس، وغير ذلك من المعاني الإنسانية المفتوحة على تأويلات متعددة. وفي العموم، تُجسّد المسرحية روح امرأة تطرفت في الحب والانتقام.
الجزة الذهبية
التعرف على البيئة التي نشأت فيها ميديا، أميرة كولشيس وحفيدة إله الشمس هيلياس، والتي جاءت من أقاصي البحر الأسود، حيث برعت في السحر. أما جيسون فهو بطل إغريقي وقبطان آرغونوتس، الذي قاد طاقمه من البحارة إلى كلوشيس، بحثاً عن الجزة الذهبية. وكان الملك آييتس لورد بلدة كلوشيس ووالد ميديا، قد وضع الجزة تحت الحراسة.
وجعلت الأفخاخ والأشراك التي نصبها آييتس، بصفته ساحراً بارعاً، حول الجزة، الحصول عليها أشبه بالمستحيل. وبمساعدة ميديا تغلب جيسون على العوائق لتقتل ميديا الأفعى العملاقة التي كانت تحرس الجزة. ولكسب المزيد من الوقت خلال هربهما إلى اليونان، قتلت ميديا شقيقها ورمت جثته أشلاء في البحر خلف السفينة.
مؤامرات
يصل الحبيبان أخيراً إلى مملكة إيولكس، التي ورثها جيسون بعد موت والده، حيث تسلم عمه بيلياس حكم العرش .. وتسعى ميديا لمساعدة زوجها من خلال اقناع إحدى بنات بيلياس أنها قادرة على إعادة الشباب إلى والدها العجوز. والطريقة هي أن يقتل ويقطع لتجمع أشلاؤه من جديد، ومن ثم يعود بفضل سحرها، شاباً فتياً. وبلا تردد، نفذت بناته الساذجات ما طلبته ميديا.
وفي المشهد الأول، تحكي المربية عن الأحزان التي ستعيشها ميديا وعائلتها، وتناقش مع مدرس الأطفال، خيانة جيسون لسيدتها. وتعرب المربية عن خوفها على سلامة أفراد العائلة.
كما ندرك، من خلال الحوار بين جيسون والملك كريون، الفاجعة التي تنتظر ميديا. إذ يصر الملك على وجوب مغادرة ميديا وأبنائها البلد، ليقبل به كزوج لابنته غلوس، وبالتالي إمكانية حصوله على العرش. وتلام ميديا لى ردة فعلها العنيفة بدافع الغيرة والتملك تجاه زواج جيسون، ما دفعه إلى اتخاذ القرار بنفيها.
يوم إضافي
تطلب ميديا تأجيل سفرها يوماً إضافياً، ويوافق الملك كريون، ليندم لاحقاً على تساهله معها. ففي خلال هذا اليوم، تواجه ميديا جيسون.
خطة
ومع ضمان سلامتها، تخبر ميديا كورس المسرحية بخطتها، إذ ستقتل عروس جيسون وحماه بالسم. وستعمل على ارتكاب أشنع الجرائم ليكتمل انتقامها من حبيبها، ولتحميهم من أي انتقام سيلحق بهم كردة فعل على ما ارتكبته من جرائم، ولا تنفع معها توسلات الكورس في العدول عن قرارها. ويغيب عن بال حبيبها..
والملك كريون وابنته غلوس، حقيقة ميديا كساحرة، حين تقبل العروس غلوس هدية الزواج التي قدمتها لها ميديا. وهي عبارة عن ثوب وتاج. وما أن ترتدي غلوس الثوب، حتى يحترق لحمها وتموت، ويموت معها والدها الذي كان يحاول إنقاذها.
بدم بارد
المشهد الذي يبعث القشعريرة في الجسد ضمن المسرحية، هو عندما كانت ميديا، وخلال انتظار وصول أخبار القصر إليها، تسامر ولديها عقب أن عاد بهما مدرسهما الذي أخبرها بأنه استلمت هداياها. وتتحدث مع ولديها بمحبة في مشهد مؤثر تستجمع فيه شجاعتها. . ثم تخرج إلى رسول النبأ، لتعود إلى البيت وهي تصرخ، ولنسمع معها صيحات ولديها من الداخل وهي تقتلهما.
يتوقع القارئ مثل ردة الفعل هذه في التراجيديا، لكن ما يفاجئه حين ترتكب ميديا جريمة تفوق الخيال، حيث تقتل ولديها لتعذيب جيسون، ولتشفي غليل انتقامها حين تشاهد ذعر وصدمة جيسون أثناء فرارها إلى أثينا في عربة سلفها إله الشمس هيليوس، والتي تقودها تنانين.


في السينما
1969 يُعد فيلم "ميديا" للمخرج والمفكر والفيلسوف الإيطالي بيير باولو باسوليني (1922 1975)، من روائع الأفلام الكلاسيكية الملحمية في عالم السينما. وصور في موقع متحف غوريمي المكشوف في تركيا. وكل ما في العمل، أسوة بأفلام باسوليني الأخرى، غير مألوف من سيناريو الفيلم الذي كتبه إلى المشاهد والتمثيل المؤثر والسينوغرافيا والموسيقى.. وغيرها.
أدت دور ميديا، ماريا كالاس (1922 1977) اليونانية الأصل التي اشتهرت بصوتها السوبرانو. وبمشاركة: جيسيب جنتيل، بدور جيسون، وماسيمو غيروتي بدور كريون، ومارغريت كليمنتي (1947) بدور غلوس، والمغني من أصل لبناني بول جباره (1948 1992) بدور بيلياس.
وكان الفيلم نفسه، العمل الأول لمصمم السينوغرافيا الإيطالي دانتي فيريتي الشهير، الذي عمل لاحقاً سينوغرافيا أفلام باسوليني، وأيضاً: مقابلة مع مصاص الدماء، جزيرة شاتر، الطيار.
في التلفزيون
1983 قدمت المسرحية في التلفزيون الأميركي عام 1983، كفيلم تلفزيوني، من إخراج مارك كالينغهام. ولعبت دور ميديا الممثلة القديرة زو كالدويل، التي أدت الدور على خشبة المسرح قبل تصوير الفيلم، وبرعت في تجسيد الشخصية، واستأثرت بانتباه الجمهور طيلة العرض.
في المسرح
1946 لم تخل خشبة مسرح أي بلد، من عرض لمسرحية ميديا، خاصة في أوروبا وأميركا، حيث عرضت في فرنسا عام 1946، وفي أميركا عام 1947. كما قدمت كعمل مسرحي موسيقي على خشبة مسرح برودواي في عام 1950. وعرضت في عمل فني راقص عام 1993، من قبل المخرج ومصمم الرقصات ديميتريس.

السبت، 12 أكتوبر 2013

ليسيستراتا .. ملهمة الإنسانية للسلام


«ليسيستراتا».. مطفئة جمر الحروب


«هناك الكثير من صفات النساء التي تحزنني، ناهيك عن نظرة الرجال الدونية لنا». هكذا تقول ليسيستراتا، في بداية الملهاة التي كتبها الإغريقي أريستوفانيس (446 ق م 386 ق م)، إذ عرضت ضمن كلاسيكيات أثينا عام 411 ق م.
تستمد هذه المسرحية الكوميدية أهميتها، والتي تمثل عنواناً لحب المرأة للسلام ورغبتها الأزلية في إطفاء جمر الحروب، من محورين اثنين، أولهما خروج أريستوفانيس خلال كتابتها، عن النمط التقليدي لأصول الملهاة. وثانيهما والأهم، أنها أصبحت بمثابة منبع لإلهام العديد من كبار الكتاب والأدباء على مر العصور، منذ عام 1611 وحتى 2012. وأقرب مثال على ذلك في عالمنا العربي، قصة فيلم «هلأ لوين»، الذي أخرجته نادين لبكي.
أثينا وإسبارطه
تدور أحداث الملهاة خلال حرب البيلوبونيز، بين إمبراطورية الإغريق في أثنيا وعصبة البيلوبونيز في إسبرطه. وتبادر ليسيستراتا التي تتميز بقوة شخصيتها وانفتاح فكرها، إلى دعوة النساء للوقوف معاً ضد الرجال، في كافة أرجاء اليونان بهدف وقف الحرب وتحقيق السلام.
تخطط ليسيستراتا لاجتماع دعت إليه جميع النساء في اليونان، لمناقشة خطة وقف حرب البيلوبونيز. وخلال انتظارها قدوم النساء من إسبرطه وثيبث وغيرها من المناطق، تلعن ضعف النساء وخضوعهن. وتجتمع مع النساء المسنات في أثينا (فريق كورس النساء المسنات)، بهدف وضع خطة للسيطرة على مبنى الأكروبوليس في اليوم نفسه.



هجر المضاجع
وحين يلتئم شمل جميع النساء، تنجح ليسيستراتا في إقناعهن بضرورة اتخاذ موقف لعدم الاقتراب رجالهن ورفض وصالهن، ذلك بهدف الضغط على الفريقين المتصارعين للحوار وتوقيع معاهدة سلام. وسرعان ما تتحمس النساء للفكرة، ويقسمن جميعاً على الالتزام بالعهد. وخلال احتفالهن بالقسم، يسمعن أصوات السيدات المسنات بعد سيطرتهن على قلعة الأكروبوليس التي تضم كنوز أثينا.
أباريق الماء
يشمل فريق المسرحية، إلى جانب الشخصيات الرئيسية، كورسين، أحدهما للرجال المسنين والآخر للنساء المسنات. ويظهر كورس الرجال المسنين أولاً، بينما هم يحملون الخشب لإشعال النار في بوابة الأكروبوليس.. ونشر الدخان لطرد النساء خارج القلعة. وفي المقابل، يحمل كورس النساء المسنات أباريق الماء لإطفاء حريق الرجال، وينجحن في مسعاهن.
حيث يسكبن الأباريق على رؤوس الرجال. وفي هذه الأثناء، يصل مبعوث القضاة إلى الأكروبوليس غاية أخذ المال لأجل سفن البحرية، ولكنه يفاجأ بوجود النساء. فيأمر رجال الشرطة بالقبض على ليسيستراتا والأخريات. وفي معركة هزلية، يتراجع رجال الشرطة خوفاً. وينتهز المبعوث فرصة وجوده لتأنيب رجال أثينا الذين أعطوا نساء المدينة حرية أكثر من ما يتوجب. ومع هرب رجال الشرطة، يتجادل مع ليسيستراتا بشأن الحرب.
قطار العمر
وتوضح له، أن النساء ضليعات بالحرب كونهن يقدمن الكثير من التضحيات: أزواجهن وأبناءهن، مضيفة أنه بات من الصعب على المرأة في الزمن الحالي، العثور على زوج. وأن الشابات يمضي بهن العمر، من دون فرصة للزواج. إذ يقتل الشباب والرجال خلال المعارك.
وبعد مضي زمن، تبدأ نتائج اعتصام النساء وتمنعهن عن أزواجهن، بالظهور على الرجال، والذين يحاولون استعطاف زوجاتهن اللواتي يظهرن مفاتنهن إمعاناً في تعذيبهم.
سلام وغرام
مع تأزم الحالة النفسية لجميع الرجال بفعل ذاك الموقف، تخرج ليسيستراتا من القلعة مع خادمتها العارية، والتي تدعى «سلام». وبينما تشتت انتباه الرجال من خلال «سلام»، تلقي ليسيستراتا محاضرة عليهم بشأن المصالحة بين المدينتين الإغريقيتين اللتين تشتركان بالتاريخ وبمساندة إحداهما للأخرى في ما مضى. ويقرر القادة الإسبرطيون والأثينيون، اعتماد حقوق الأراضي التي ستنهي الحرب.
ويوافق كلا الطرفين عليها، ومن ثم تفتح ليسيستراتا بوابة الأكروبوليس لتعود النساء إلى رجالهن، وذلك في احتفال كبير. يتجلى من هذه المسرحية، إضافة إلى ثيمتها الأساسية في دور المرأة في وقف الحروب، العلاقة الفكرية والعاطفية بين الجنسين، إلى جانب رسوخ قناعة أريستوفانيس (كاتب العمل)، بذكاء وقدرات المرأة، وهذا على عكس تصنيفها من قبل الإغريقيين، بوصفها الكائن الأدنى قيمة في المجتمع. .
11 عملاً معروفاً
وضع أريستوفانيس ما لا يقل عن 40 مسرحية، لم يبق منها سوى 11 عملاً، معروفاً وحاضراً في الزمن المعاصر.
سيرة
نشأ الكاتب الإغريقي أريستوفانيس، في كنف أسرة ثرية ومثقفة في أثينا. واندلعت الحرب بين أثينا وإسبرطة في مرحلة الشباب. وهو ما دفعه إلى تناول موضوع الحرب والسلام بأعماله.
وكان قد سخر في مسرحيته «البابليون» التي وصلتنا منها بضعة أجزاء، من صاحب السلطة العليا: كليون التاجر، الذي أسس ثروته من دباغة الجلد. وكان يدفع باتجاه القضاء على إسبرطة المنافسة لأثينا في التجارة. وعلى إثرها قدم للمحاكمة بتهمة الخيانة، وحكم عليه بالغرامة.
في السينما
1956 اقتبست استوديوهات يونيفرسال الأميركية، مسرحية «ليسيستراتا» فحولتها إلى فيلم سينمائي موسيقي، بعنوان: «الجنس الثاني الأفضل». أخرجه جورج مارشال (1891 1975). وأدت فيه دور البطلة، جين كرين. وكانت تدور أحداث الفيلم في سنة 1880.
1968 اقتبست المخرجة والممثلة السينمائية السويدية ماي زيترلينغ (1925 1994)المسرحية، لتقدمها كفيلم بعنوان: «الفتيات». إذ أدت فيه دور البطولة ممثلات سويديات ثلاث.
في الأوبرا
2004 حولت المسرحية إلى أوبرا بالاسم ذاته. ووضع ألحانها الموسيقار مارك آدامو. ومدتها ساعتان. كما عرضت بداية، في دار هاوستون غراند أوبرا في أميركا.
رسومات مصورة
2011 تبنت الأميركية فاليري شراغ، تحويل المسرحية إلى رسومات مصورة في قالب روائي. وذلك ضمن سلسلة مختارات «ذا غرافيك كانون»، التي تضم أفضل الأعمال الأدبية بالرسومات المصورة. وحرر هذا العمل، روس كيك. إذ صدر في عام 2012 الجزءان الأول والثاني.. ليصدر الثالث في عام

الثلاثاء، 24 سبتمبر 2013

روائع الروايات العالمية: رجلنا في هافانا

رجلنا في هافانا»

كوميديا سوداء في قالب روائي

استلهم الكاتب البريطاني غراهام غرين، قصة شخصية بطل روايته "رجلنا في هافانا"، من الرجل الذي تعرف إليه بعد أن التحق بالاستخبارات البريطانية "إم 16"، في شهر أغسطس عام 1941. إذ عين في لندن كوسيط فرعي للتعامل مع الجواسيس في شبه الجزيرة الإيبيرية، وهناك تعرف على العملاء الألمان في البرتغال، الذين كانوا يرسلون إلى ألمانيا تقارير وهمية، كانت تشكل بالنسبة لهم، مصدراً للمزيد من المال والمكافآت.
ومن هؤلاء العملاء: "غاربو"، العميل الإسباني المزدوج، في لشبونه، الذي أعطى الألمان المتعاملين معه معلومات مضللة، مدعياً أنه يحكم السيطرة على جميع العملاء في انجلترا،.
والذي اخترع حركات من القوى المسلحة الوهمية وعمليات من المراجع العسكرية كالخرائط والأدلة الأخرى. وهكذا كان الألمان يمولون 27 عميلاً وهمياً، مع نجاح غاربو الاستثنائي، في الحصول على وسامين خلال الحرب العالمية الثانية، أحدهما من بريطانيا، والثاني من ألمانيا.

1946
كتب الروائي البريطاني غراهام غرين، من وحي شخصية "غاربو" والعملاء الألمان، النسخة الأولى من روايته، في عام 1946، ذلك كمخطط رئيس لسيناريو فيلم، على أن تجري أحداث قصة الفيلم في استونيا، إحدى دول البلطيق، تحديداً في عام 1938. ودفع اعتراض الرقابة على السخرية من المخابرات البريطانية، غرين إلى تغيير بعض المحاور ضمنها، مثل: نقله الأحداث إلى مدينة "هافانا"، والتي زارها مرات عديدة، لاحقاً، في عام 1950.
ولتدور أحداث الرواية التي نشرت عام 1958، في هافانا، بعد فترة حكم نظام باتيستا في الخمسينات من القرن الـ20. وبطلها هو جيمس ورمولد، بائع المكانس الكهربائية، والذي تلقى من قبل هوثورن، عرض عمل في الخدمة البريطانية السرية (الاستخبارات).
وكانت زوجة ورمولد قد تركته، فمكث برفقة ابنته المراهقة والجميلة، التي استمرت تستنزفه بنظرتها المادية إلى الحياة. ونظراً لعدم قدرته على جني المال الكافي لتلبية متطلباتها، والتي لا تنتهي، قبل بعرض العمل الجانبي في الجاسوسية. ونظراً لغياب أية معلومات لديه يستطيع إرسالها إلى لندن، بدأ فبركة تقارير متنوعة، مستقياً معلومات من هنا وهناك، كالصحف.
ومن ثم اختلق شبكة من العملاء الوهميين، تضم بعض أسماء أشخاص حقيقيين، هو فعلياً لا يعرفهم. ولم يخبر ورمولد أحداً بحقيقة عمله السري، سوى صديقه، الجندي السابق في الحرب العالمية الأولى، الدكتور هاسلباشر.
يقرر بطل الرواية، في فترة لاحقة، جعل تقاريره أكثر تشويقاً، فيشرع في إرسال رسومات إلى لندن، عن قطع غيار المكنسة الكهربائية، مدعياً أنها مخططات مواقع الجيش السرية في الجبال، ولم يشك أحد ممن يتواصلون معه في لندن في رسوماته، باستثناء هوثورن، الذي جنده، كونه يعرف مهنته..
ولكن الأخير، يحجم عن التصريح بشكوكه، خوفاً من فقدانه عمله، ومع التطورات الجديدة، ترسل لندن إلى ورمولد، السكرتيرة ومساعدة الراديو، بياتريس سيفرن. فتخبره انه مطلوب منه التواصل مع شبكة عملائه، ابتداءً بالطيار راؤول. وتحت الضغط، يضع ورمولد خطة جديدة لعميله الوهمي. وبالصدفة، يقتل أحد الأشخاص الذين يحملون الاسم نفسه في حادث سيارة. ويستمر هذا البائع في نسج عالم موازٍ للواقع مع بعض الصعوبات التي تهدد عملاءه.
وفي الوقت نفسه، تمرر لندن المعلومات الخاصة بعدو غير محدد، يخطط لتسميم عميلهم ورمولد، في لقاء تجاري على الغداء. ويرفض الأخير التغيب عن اللقاء.
وعلى طاولة الغداء، يعتذر عن تناول بعض الأطباق التي يشك في مقدميها، وحين يقدم له كارتر، أحد بائعي المكانس الذين قابلهم فيما مضى، كأساً من الشراب، يبدي حركة مفاجئة، بدت عفوية، ولكنها هدفت إلى أن يطيح بالكأس الذي كان يشرب ما تبقى فيه، رئيس الخدم الذي سرعان ما يموت. وغاية انتقام كارتر من فشله، يقتل الدكتور هاسلباشر في إحدى الحانات.


«صورة بيضاء»
تطالعنا الرواية بعنصر جديد، يدخل على الأحداث، في أوج تلك السيرورة، وهو الضابط العسكري، سيغورا، الرجل القوي الذي يحب ميللي ويرغب في الزواج منها. إلا أن والدها يعلم أن بحوزة الكابتن قائمة بأسماء الجواسيس في هافانا، فيقرر إرسالها إلى لندن تعويضاً عن الأموال التي حصل عليها منهم.
وعليه، يذهب إلى بيت سيغورا للحصول على قائمة أسماء الجواسيس في هافانا، التي سبق وتحدث عنها الأخير. وفي البيت، يدفع ورمولد ذلك الضابط، إلى شرب الكحول حتى بلوغه مرحلة الثمالة، ليستغرق بعدها في نوم عميق. وهنا يصور الجاسوس، قائمة الأسماء بكاميرا دقيقة.
ومن دون تردد يأخذ مسدسه أيضاً، قبل مغادرته البيت، فيتجه مباشرة إلى النزل الذي يقيم فيه كارتر، ويطلق النار عليه، ثأراً لصديقه الطبيب. ويرسل القائمة إلى جماعته في لندن، في مغلف بريدي، ثم يتضح أن الصورة كانت بيضاء خالية من الأسماء.
ويلتقي ورمولد بعدها، ببياتريس. ويعترف لها بكل شيء. ويستدعيا، لاحقاً، إلى المقر الرئيسي، حيث تنقل بياتريس إلى جاكرتا، ويعاد النظر في دور ورمولد، الذي زودهم ببعض المعلومات القيّمة، ذلك على الرغم من حيله العديدة.
وبهدف إسكاته وإبعاده عن الصحافة، يعين كمدرس في أحد المقرات. وبعد مضي مدة من الزمن، تزور بياتريس ورمولد، في الفندق الذي هو فيه، ويقررا الزواج، ذلك مع مباركة ابنته ميلي، التي تذهب إلى سويسرا للدراسة، إذ تدفع نفقاتها من المال الذي جمعه أبيها بالخديعة والاحتيال.
جذور
استلهم الكاتب غراهام غرين سيناريو روايته (الفيلم)، من عمله في الجاسوسية خلال الحرب العالمية الثانية، ومن أحداث وتفاصيل خدمته في البرتغال، وكذا تعرفه على عدد من جواسيس ألمانيا المحتالين.
وفي البداية، رفضت رقابة الأفلام البريطانية، ملخص القصة، خاصة لسخريتها من خدمة المخابرات السرية بعد زمن قصير من انتهاء الحرب العالمية الثانية. وعليه، شرع يعيد بناء أحداثها لتكون في مدينة هافانا في الخمسينات من القرن الـ20، واستبدل شخصية زوجة البائع، بابنته، لينشر الرواية قبل صدور الفيلم.
بطاقة
الروائي والسيناريست البريطاني غراهام غرين (1902 1991)، أحد الروائيين البريطانيين القلائل، الذين جمعوا بين إعجاب النقاد والقراء، طيلة رحلتهم الأدبية. ووصل إلى أوج ازدهار إبداعه في عام 1958. ولديه قرابة الـ 28 رواية، وأربع مجموعات قصصية. إضافة إلى ثلاثة كتب في السيرة الذاتية.
يتميز أسلوب غرين في الكتابة، بلغته العملية، التي تخدم فكرة النص وتأسر انتباه واهتمام القارئ، وبسرده الواقعي. واعتاد أن يتناول في معظم أعماله الجانب الديني. وبصفته ناقداً أدبياً، فكان يهاجم كتاب الحداثة، مثل: فيرجينيا وولف وفورستر، لابتعادهم عن محور الدين في بناء دراما أعمالهم.
في السينما
1959
تنافس المنتجون في بريطانيا، على شراء حقوق الفيلم، ومن ضمنهم ألفريد هيتشكوك، الذي رفض شراءه بسعر 50 ألف جنيه استرليني. وعندما رفض الجميع دفع هذا المبلغ. قرر غرين بيعه لصديقه المخرج كارول ريد، الذي أتمنه على الالتزام بنص السيناريو.
في الأوبرا
1963 اختار الموسيقار والملحن الأسترالي مالكولم ويليامسون (1931 2003)، رواية "رجلنا في هافانا" لتكون عملاً أوبرالياً يتألف من ثلاث حركات. ومن ثم اقتبست على خشبة المسرح أيضاً، عام 2007، من قبل كلايف فرانسيس.

السبت، 24 أغسطس 2013

روائع المسرح العالمي: بوشكين ومسرحيته موزارت وسالييري

موزارت وسالييري

الحسد والجريمة في عالم العباقرة

ألهمت مسرحية "موزارت وسالييري" ذات الفصل الواحد، لشاعر روسيا الأول الكسندر بوشكين (1700 - 1837)، التي نشرها ضمن كتاب ضم أربع مسرحيات بعنوان "تراجيديات صغيرة" عام 1830، عدداً كبيراً من المبدعين في الأدب والموسيقى وبقية الفنون، سواء في عصره أو في العصور اللاحقة، إذ دخلت تلك الأعمال بدورها، تاريخ روائع الأدب والفن، والتي سنقدم ها هنا، نبذة عن كل منها.
الإشاعات وبوشكين
بداية، استلهم بوشكين فكرة مسرحيته هذه، التي كتبها بعد مضي خمس سنوات على وفاة الموسيقار أنطونيو سالييري (1750 1825)، من الشائعات التي تناثرت هنا وهناك، بين الأكاديميين اثر وفاة الموسيقار وولفغانغ أماديوس موزارت، الذي فارق الحياة وعمره لم يتجاوز الـ 35 عاماً، بعد صراع مع المرض دام بضعة أشهر. وساهم مرضه الذي لم يعرف الأطباء تشخيصاً أو علاجاً له، آنذاك، في الترويج لتلك الشائعات، التي مفادها قتل سالييري موزارت بسم الزرنيخ.
وفي عام 1823، وبعد مضي 32 عاماً على وفاة موزارت، أقدم سالييري، الذي يعد من أبرز الموسيقيين في القرن الثامن عشر، وكان ملحن بلاط الامبراطور جوزيف الثاني، على محاولة انتحار فاشلة، ما أجج شعلة تلك الشائعات التي أدت إلى انقسام جمهور الموسيقى في فيينا، إلى فريقين، أحدهما يدافع عن سالييري وموسيقاه، والآخر عن موزارت.
نص ومعالجات
بنى بوشكين من هذه الشائعات، حبكة مسرحيته، مستنداً الى مشاعر الحسد والغيرة، ودورها في تأجيج الصراع الداخلي لدى شخصية سالييري، الذي كرس نفسه وحياته للموسيقى، وعمل بجهد دؤوب كي يحقق نجاحه، بعكس موزارت الشاب الذي توجت موهبته بعبقرية في الإبداع، والذي كانت تأتيه الألحان البديعة بسهولة وعفوية، من دون بذل أي جهد.
استعرض بوشكين الصراع في بداية المسرحية، عبر مونولوج داخلي لسالييري وبلغة شعرية جميلة، تحدث فيه عن شغفه بالموسيقى منذ طفولته والجهود الحثيثة لدخول هذا العالم، والتضحية بكل ما يمكن أن يبعده عن الموسيقى والجهود الكبيرة في تعلمه لعلم الجبر، غاية أن يتمكن من نظم ألحانه بأسلوب صحيح ومتوازن، ليحصد بعد تجاوزه الصعوبات، الشهرة الواسعة. ويتحدث في مونولوجه، عن محبته لجميع الموسيقيين من جيله، وإعجابه بانجازاتهم، من غلوك إلى بيتشيني، مبيناً أن مشاعر الحسد والغيرة لم تتولد في داخله إلا بعد معرفته بالشاب موزارت الذي كانت تأتيه الألحان البديعة بسهولة وعفوية، والتي لم يكن يقدر مدى روعتها وعظمتها.
تدلل المسرحية على أنه شعر سالييري باختلال كفتيّ الميزان، بين زملائه الموسيقيين ( وهو منهم) ودأبهم وكفاحهم لتحقيق منجز إبداعاتهم، وبين موزارت الذي كانت تأتيه الألحان من دون بذل أي جهد. ورأى سالييري أن هذا الاختلال لا بد من القضاء عليه بالقضاء على موزارت، "لتستعيد الموسيقى توازنها".
وفي المشهد الثاني في المسرحية، يلتقي الاثنان، ويقابله موزارت بود ومرح وبرفقته عازف كمان ضرير يطلب منه عزف مقطوعة شهيرة أمام سالييري، واعتبر موزارت سوء عزف الضرير، بمثابة طرفة تثير الضحك، ذلك على العكس من سالييري الذي ثار غضبه من تشويه العازف لها.
وحين حاول موزارت الانسحاب مع العازف لتعكر مزاج صديقه، نجد أنه يسأله الأخير عن هدفه من الزيارة. فيجيبه أنه أتى بقصد إسماعه لحناً جديداً، وأصر سالييري على الاستماع إليه.. وكان اللحن من الروعة لدرجة أذهلته وأججت حقده، وهو ما دفعه إلى دعوة موزارت للعشاء في إحدى الحانات لتنفيذ خطته القاضية بدس سم الزرنيخ له في الطعام.
وفي المساء، يلتقي الاثنان، فيحدثه موزارت الذي كان مشغول البال، عن مقطوعته الجنائزية الجديدة. وهنا، أبدى موزارت إعجابه في إبداع سالييري في مقطوعته "تاراريه"،
وفي تلك اللحظة، دس سالييري السم في كأس موزارت، الذي قال له بعفوية : "لنشرب بصحتك أيها الصديق، وبصحة رابط الوفاء الذي يجمع كلينا.. نحن أبناء الانسجام. وحين تناول موزارت الكأس ليشرب منها، حاول سالييري بتردد منعه من ذلك، لكن بعد فوات الأوان.
وعندها، نهض موزارت واتجه إلى البيانو ليسمع سالييري مقطوعة أبكته وابدى اعجابه بها، ما دفع موزارت، قبل اكمال عزفه إلى القول : "ليت الجميع يشعر بقوة التناغم مثلك.. المختارون مثلنا يترفعون عن تفاصيل الحياة الدنيوية ليعيشوا في جماليات عوالم الفن. لا أشعر بأني على ما يرام، شيء ما يضغط علي، بحاجة إلى النوم. وداعاً". وبعد مغادرته (اي موزارت)، يتساءل سالييري: " هل حقاً لا تجتمع العبقرية والشر؟".
في الأوبرا
1897 وضع الموسيقار الروسي الشهير نيكولاي ريمسكي كورساكوف (1844 1908)، ألحان أوبرا "موزارت وسالييري"، بعد أن نضجت تجربته الفنية. وأهدى عمله إلى الموسيقار الراحل الكسندر دارغوميزسكي (1813 1869)، الذي سبق أن وضع ألحان أوبرا "الضيف الحجر"، إذ أشرف كورساكوف، آنذاك، على توزيع عزف الأوركسترا لها.
واشتهر كورساكوف بأنه علم نفسه الموسيقى. كما عد أصغر موسيقي في مجموعة الموسيقيين "مايتي كوشكا".
في المسرح
1980 استلهم الكاتب المسرحي الانجليزي، سير بتر ليفن شافر، مسرحيته "أماديوس" المصنفة من روائع الأدب العالمي، من مسرحية بوشكين "موزارت وساليير"، وأدخل في المسرحية بعض المعزوفات الخاصة بكل من سالييري وموزارت.
وتبدأ مسرحيته مع سالييري، المتقدم بالسن، الذي يتحدث مع الجمهور مباشرة، ويسرد بعدها للجمهور مجموعة مبررات توضح دوافعه الشخصية لقتل موزارت. وهنا تنتقل المشاهد بين الماضي والحاضر، وبين تشوق سالييري لمقابلة موزارت، بعد إعجابه وحبه الشديد لألحانه.
في السينما
1984 اقتبست السينما الأميركية فيلم "أماديوس"، من مسرحية بيتر شافر، المأخوذة عن مسرحية بوشكين نفسها. وكان اللافت في الفيلم، أن قصة المؤامرة، أخذت أبعاداً أوسع وأشمل.
وأخرج الفيلم، ميلوس فورمان، الأميركي الجنسية والسلافي الأصل. ورشح هذا الفيلم إلى 53 جائزة، حصد منها 40، بما فيها 8 جوائز من "أكاديمي"، وأربع من "بافتا"، وأربع من "النخلة الذهبية". وجاء ترتيبه في المرتبة 53 ضمن قائمة أفضل 100 فيلم خلال 100 عام، التي أعدها "معهد الأفلام الأميركية".

الاثنين، 12 أغسطس 2013

روائع الأدب: ذهب مع الريح

«ذهب مع الريح»

قصيدة الموت والحب في زمن الحروب

"سأفكر في الأمر كله غدا في تارا، حيث يمكنني تحمل العواقب حينها. سأفكر بطريقة ما أستعيده من خلالها. في المحصلة، غداً يوم جديد". قول لسكارليت أوهارا بطلة رواية أو ملحمة "ذهب مع الريح"، التي كتبتها الصحافية الأميركية مارغريت ميتشيل عام 1936، وأهلتها للفوز في جائزتي: "الكتاب الوطنية" في العام نفسه، "جائزة بوليتزر الأدبية" سنة 1937. ويرى نقاد كثر، ان الرواية عنوان بارز لحبكة الادب في الحديث عن الحب والانتقام والابتزاز، خاصة خلال الحروب والصراعات.
لم تكن مارغريت تتوقع، حين كتبت روايتها الوحيدة بدافع تمضية الوقت، خلال مرضها الذي ألزمها الفراش، أن يدخل عملها تاريخ روائع الأعمال الأدبية.
نجاح مفاجئ
هذه الرواية التي اعتبرتها صديقة مارغريت حماقة، بيع منها مليون نسخة في الأشهر الستة الأولى من صدورها، وليصل رقم مبيعاتها عبر التاريخ إلى 30 مليون نسخة، حيث اعتبرت ثاني أفضل عمل في تاريخ الأدب الأميركي بعد رواية "كوخ العم توم" لهارييت بيتشر ستو، التي نشرتها عام 1852. ومن ثم قدمت السينما الأميركية فيلما مقتبسا عن الرواية عام 1939، أصبح بدوره، من أهم أعمال هوليوود في ذاك الوقت. وحصلت مارغريت آنذاك، مقابل بيع حقوق الرواية للسينما، على مبلغ 50 ألف دولار، وهو أعلى سعر دفع مقابل أول رواية.
"غرام وجنون"
تدور أحداث الرواية في شهر أبريل 1861، مع اندلاع الحرب الأهلية في أميركا.وتبدأ القصة من بيت عزبة تارا في ولاية جورجيا في الجنوب، حيث تعيش الشابة سكارليت أوهارا، ذات الـ16 ربيعا، ابنة ثرية التي أفسدها دلال عائلتها، وهي تمتلك مصنعاً.
وحين تسمع سكارليت بعزم الشاب آشلي ويلكس الذي تكن له بعض الاعجاب، الزواج من ميلاني هاملتون، تقرر رمي نفسها في أحضانه خلال حفل الشواء الذي كان مقررا، على الرغم من تحذيرات والدها ومربيتها المخلصة: "مامي". وعندما تنفرد سكارليت بآشلي في الحفل وتطلق العنان لغضبها، نجد الشاب ريت باتر، الذي يعد البطة السوداء ضمن عائلته الثرية شارلستون، والذي طرد من المنطقة لسوء سمعته، فيعجب بمزاجها الحاد وروحها الثائرة ونرجسيتها، ويقول لها: "كلانا من طينة واحدة".
عون.. وابتزاز
تبدأ مغامرات سكارليت مع إعلان الحرب الأهلية، وتتزوج من شارلز هاملتون، شقيق ميلاني لإغاظة آشلي. تلتقي سكارليت مجددا بالشاب بريت في أتلانتا. ويشوه باتر سمعتها بعد فوزه برهان مالي كبير بينه وبين بقية الرجال، حين ينجح في مراقصته لها خلال فترة حدادها على زوجها. وعليه، يقرر جيرالد والد سكارليت، العودة بها إلى تارا. لكن ريت ينجح في إقناعه ببقائها مع أسرة الزوج.
ومع تقدم جنود الشمال باتجاه أتلانتا، ترفض سكارليت الرحيل وتقرر البقاء لمساعدة ميلاني في ولادتها، فتضطر للاعتماد على ريت لإخراجها وأسرتها من المدينة، ويسرق الاخير حصانا وعربة للتمكن من إنقاذهم. وبعد هروبهم من أتلانتا، يقرر ريت فجأة، الانضمام الى جنود الجيش الاتحادي الجنوبي خلال انسحابهم الأخير. وقبل مغادرته لسكارليت يطلب منها أن تمنحه قبلة، لكنها ترفض.. وبينما هو يحاول ارغامها على ذلك، ينفجر غضبها، وتقول له انها تتمنى له الموت في ساحة المعركة، ما يدفعه إلى الضحك والغياب في عتمة الليل، لتبقى وحيدة مع ميلاني وابنها بو وخادمتها بريسي.
بعد مضي بضعة أشهر تعود سكارليت إلى أتلانتا، لالتماس المال من ريت، غاية إنقاذ عزبة تارا من الانهيار. وهناك تخبرها العمة بيتي، أنه في معتقل في السجن العسكري من قبل الشماليين لسرقته ذهب الاتحاديين. وتحاول خداعه بحجة انقاذ حياته، لكنه يكتشف كذبتها ويصارحها بكشفه نواياها. وذاك ما يثير حنقها. وفي طريق العودة إلى العمة بيتي، تقابل فرانك كيندي، طالب ود أختها سولين، وتبادر إلى رمي شباكها حوله بعد إدراكها أنه حقق مكانة جيدة لنفسه، وتخبره ان أختها تعبت من الانتظار، وتخلت عنه لتتزوج من غيره، وتنجح أخيراً في استمالته والزواج منه، وبالتالي تحصل منه على المال لاستعادة تارا وبقاء أسرتها فيها.
ندم وتبكيت
تفاجأ سكارليت، بعد مضي اسبوعين، وخلال عملها في مخزن زوجها، بحضور ريت. فتعي عندها، مدى تسرعها في الزواج للمرة الثانية، من رجل لا تحبه. وفي الاثناء، يقتل فرانك خلال إغارة جماعة المتعصبين: "كوك وكوكس" على بلدة شانتي. ونتبين في الرواية أنه كان ريت متأكداً في السابق، أن اعترافها له بحبها لآشلي لن يحول دون ادراكها أنها لن تجد سعادتها إلا معه. لكنها تكتشف، بعد فوات الاوان، حبها لريت.
سيرة الكاتبة


لازمت مارغريت ميتشيل (1900 1949)، الفراش، لدى كسر كاحلها عام 1926، لفترة زمنية طويلة. وكان خلالها زوجها، جون مارش يزودها بمجموعات كبيرة من الكتب التي قرأتها، ما دفع جون إلى القول: "قرأت كل كتب المكتبة باستثناء العلوم والرياضيات. إن اردت كتاباً آخر فلمَ لا تكتبينه بنفسك؟". وحين سألته: "عن اي شيء سأكتب؟". أجابها: "اكتبي عن ما تعرفينه". وهكذا استغرقت ميتشل 10 سنوات في كتابة روايتها.
في السينما

1939 دخل فيلم "ذهب مع الريح"، تاريخ سينما هوليوود الذهبي تلك السنة. كما حصد، لاحقا، رقما قياسيا من الجوائز. وحين اتخذ قرار صناعته، وجد المنتج ديفيد أو سلينزيك نفسه في معضلة، إذ كان جميع الممثلين النجوم المرتبطين معه بعقود طويلة الأمد، لا يناسبون الدور. وبذا توجب عليه البحث خارجاً واستعارة ممثل من استوديو آخر. وكان الخيار الأول لسلينزيك غاري كوبر، لكن الأخير اعتذر عن الدور: "صناعة هذا الفيلم ستعتبر الفشل الأكبر في تاريخ سينما هوليوود".
وهنا استقر خيار المنتج على الممثل كلارك غيبل، الذي استطاع استعارته من استوديو" ميترو غولدوين ماير". وفي أغسطس من العام 1938، اختبر غيبل، وكان حينها متردداً في قبول الدور، متوجساً من خيبة الجمهور في التفاعل مع الشخصية التي سيؤديها.
وبسبب عناد سلينزيك وإصراره على غيبل واختيار الممثلة لدور سكارليت، تأخر انتاج الفيلم مدة عامين. واستعرض ما يزيد على 1400 اسم، لاختيار الممثلة. وكذلك الأمر مع المخرج الذي استبدل خلال صناعة الفيلم ثلاث مرات. وهم: جورج كوكر وفيكتور فليمينغ وسام وود.
ولدور سكارليت، اعتمد المنتج 31 اختبارا من ضمنها، واحد لفيفيان لي. وكانت الكاتبة مارغريت، تعتقد أن أفضل ممثلة للدور: ميريام هوبكنز، التي كانت في منتصف الثلاثينات من العمر. وكان هذا العمر متقدماً بالنسبة لعالم السينما آنذاك. ورست التصفيات النهائية بين بوليت غودارد وفيفيان لي، لكن الخلافات التي كانت تواجهها غودارد مع زوجها شارلي شابلن دفعت سلينزيك لاختيار فيفيان.

الجمعة، 26 يوليو 2013

روائع المسرح العالمي: سرّ النورس لأنطون تشيخوف

«النورس»

المسرح متمرداً على التراجيديا التقليدية

شكلت مسرحية "النورس"، للأديب والطبيب الروسي أنطون تشيخوف (1860 1904)، منعطفاً بارزاً أو ثورة في مفاهيم المسرح الحديث ومبادئه، سواء في روسيا أو في الغرب، خلال القرن التاسع عشر. وتمثلت هذه الثورة في حجب التراجيديا التقليدية عن خشبة المسرح، المتمثلة في الفعل وردة الفعل، لتبقى ضمنية، ولتأخذ الكلمة دوراً حركياً في أبعاد معانيها.
تتضمن "النورس"، الكثير من الأدب والقليل من الحركة، وعلاقات حب شائكة ومركبة بين شخصيات المسرحية، التي تضم أربع نساء وستة رجال، ضمن خمسة محاور.
كما تتالى مشاهد فصولها الأربعة في إحدى العزب الريفية الروسية، على ضفاف بحيرة. ويتكشف للقارئ أو المشاهد، من خلال تلك العلاقات، أبعاد الشخصيات والصراع فيما بينها، من جهة. وبين طموحاتها ونزعاتها، من جهة أخرى.
أسرة العمل
ولفهم أبعاد المسرحية ودوافع اعتبارها من الأدب الإنساني الكلاسيكي، نستعين بدراسة وتحليل الناقد صبري حافظ، الذي لخص المحاور الخمسة لعلاقات الحب الشائكة بين شخصيات العمل: السيدة آركادينا شقيقة صاحب العزبة سورين (وهي الممثلة الشهيرة التي بدأت خطوط الزمن تظهر على محيّاها وفي تصرفاتها).
ولدها الكاتب المسرحي تربيلوف، صديقها أو عشيقها كاتب القصص تريغورين، نينا ابنة العزبة المجاورة التي تحلم في أن تصبح ممثلة، العائلة التي تضم الشابة الكئيبة ماشا ابنة السيدة النرجسية بولينا وزوجها شامراييف مدير العزبة، صديق العائلة الطبيب دورن العاشق للأدب، المدرس ميدفيدنكوف.
محاور الحب
لخص حافظ محاور الحب تلك في خمسة مثلثات: الأول بين أركادينا وتريغورين وتربيلوف، والذي يختصر العلاقة التي تجمع الحب والكراهية بين الأم وابنها، والمتمثلة في عدم اعتبار الأم لموهبة ابنها وقدراته، وغيرتها الكامنة، من قدراته. وتوق الابن للاستئثار بحب والدته واعترافها بموهبته، وغيرته عليها من تريغورين، وحالة السأم بين تريغورين وأركادينا.
أما المثلث الثاني فيجمع بين نينا وتربيلوف وتريغورين. وفي هذا المثلث، يدمر تريغورين، بدافع شعوره بالملل، علاقة الحب بين الشابين، نينا وتربيلوف، المتشابهين في طموحاتهما، لتقع نينا في غرامه من منظور الانبهار بفكره وحديثه، بينما تتحطم آمال تربيلوف الذي يفقد ثقته بنفسه كإنسان ومبدع، ما يزيد من حنقه على تريغورين الذي يستلهم قصصه ممن حوله، من دون أي جهد.
ويجمع المثلث الثالث، بين ماشا وتربيلوف والمدرس ميدفيدنكوف. إذ تُغرم ماشا بتربيلوف، وتعد حبها له وسيلة الخلاص من الحياة الباهتة التي تعيشها، بينما يجد المدرس العاشق لماشا، أن تربيلوف هو غريمه. ويعزو فشله في كسب ودها، إلى مكانته ودخله المتواضع.
وحين تيأس ماشا من تربيلوف تتزوج من المدرس لتعيش حياة باهتة، وليتحمل ميدفيدنكوف كافة مسؤوليات الزواج والابنة. وبذا تكرر ماشا حياة والدتها بولينا.
في المثلث الرابع، تحاول بولينا الأم استعادة علاقة العشق السابقة مع الطبيب دورن، الذي يرفض محاولاتها، بينما يتحمل شامراييف الأب كافة مسؤوليات الأسرة، بلا أية مشاركة من زوجته بولينا. وأخيراً، يشمل المثلث الخامس: نينا وتريغورين وأركادينا.
كوامن ونزعات
يتجلى من هذه المحاور، الألم الدرامي الذي تعيشه كافة الشخصيات، من كتاب وفنانين ومبدعين وأفراد من مجالات وفئات متنوعة، جراء الحب. ونتعرف من خلال الحوارات بين الشخصيات، على كوامن ونزعات كل شخصية عبر تفاعلها ضمن أجواء مجتمع أعلى من شأن الادعاء والتشدق والعبثية.
فالبراءة تُسلب بدافع الهرب من خواء الروح، والغيرة تحطم الموهبة، والحب غاية في حد ذاته لتتحول الحياة إلى العدم بفقدانه، والشهرة المعيار الوحيد للنجاح. وهناك الغرور الذي يطغى على الطموحات ويحد من تألق مواهب أصحابها.
غياب الوعي
يفترق الجميع بعد تلك الزيارة، ليمضي عامان قبل لقائهما مجدداً، ويدرك القارئ أو المشاهد أنه خلال هذين العامين لم يستطع تربيلوف نسيان نينا، على الرغم من نشره لعدد من أعماله، بينما لم تتمكن نينا من تحقيق أحلامها في الشهرة لتصبح ممثلة مغمورة في بعض الفرق المسرحية الجوالة، إلى جانب تخلي تريغورين عنها في موسكو بعد أن اتخذها عشيقة له، إلى حين.
تتسلل نينا إلى العزبة لتلقى تربيلوف بمفرده في مكتبه، ويتجلى من الحوار بينهما ما حققه كلاهما خلال فترة الغياب. وهنا يتكشف إدراك الذات عند نينا وغياب الوعي لدى تربيلوف.
فنينا تستعرض أمامه رحلتها الفنية، لتربط مجدداً بين حياتها وبين طائر النورس، الذي كانت تُشبه نفسها به فيما مضى لدى زيارتها البحيرة في عزبة سورين، كتعبير عن الشعور بالحرية، إلا أنها بعد عودتها تشبه نفسها بالنورس الذي لا وجهة له في الحياة، حيث أدركت أن مضمون الحياة يكمن في تحمل تقلباتها والتطلع إلى المستقبل، من خلال قيمة السعي والمثابرة، اللذين لا يحملان بالضرورة، الشهرة.
وهنا يتجلى فارق الوعي بين الطرفين، إذ لا يزال تربيلوف عالقاً بإرادته في حلقة الحب المفقود، التي لا يرغب في الخروج منها ذلك غاية رؤية الحياة من حوله. وليبقى بهذا، أسير حلقة التعاسة هذه........ العديد من الشخصيات المكبلة بنوازعها الذاتية، والتي لا تدرك أن أوهامها حالت دون فرص السعادة التي يمكن أن تمنحها الحياة لها في كل لحظة وحالة.
رمزية النورس
وفي حين تعاملت نينا مع النورس كرمز للحياة، منذ البداية وحتى النهاية، فإن تربيلوف تعامل معه كرمز للموت. إذ اصطاد هذا الطائر وقدمه إلى نينا في بداية علاقتهما، كتعبير عن حبه لها واستعداده لقتل نفسه لأجلها، ليقوم بعد عودة نينا، بقتل نفسه لإدراكه استحالة العودة بسبب اختلاف تطلعاتهما بين السعي المستمر كغاية في حد ذاتها، وبين الشهرة والحب كهدف مطلق.
سيرة
أنطون تشيخوف (1860 1904). كاتب مسرحي روسي. وهو، قبل ذلك، طبيب وكاتب قصة قصيرة. يعد عراب المسرح العبثي في القرن التاسع عشر، وشكسبير المسرح الروسي. كما أنه رائد المدرسة الواقعية إلى أواخر القرن 19.
واشتهرت، على صعيد المسرح، أعماله الأربعة، التي لا تزال تعرض في أهم مسارح العالم: «النورس»- (1896)، «العم فانيا»- (1900)، «الشقيقات الثلاث»- (1901)، «بستان الكرز»- (1904).

السبت، 20 يوليو 2013

أعمال خالدة: مسرحة موت بائع متجول

«موت بائع متجول»

إخفاقات تكشف زيف الحلم الأميركي

ما الذي يميز مسرحية "موت بائع متجول"، لأحد أبرز عمالقة المسرح الأميركي، آرثر ميلر، ويجعلها من روائع الأدب العالمي؟ سؤال توافقت إجابات النقاد والأكاديميون فيه على قيمة وتأثير شخصية بطل المسرحية البائع ويلي لومان.
ومن خلال ويلي وعائلته، ينتقد ميلر، بصورة لاذعة، أحلام المجتمع الأميركي خلال الأربعينات من القرن العشرين، في النجاح والمنافسة، إذ يقاس النجاح والتميز بالمادة والثروات. ونظراً لأن ويلي لومان شخص محدود القدرات والإمكانات، فإنه يحاول إخفاء عجزه ومشاعر الإحباط، خلف أوهام الشعور بالعظمة والنجاح.
استلهم ميلر فكرة المسرحية من أحد أقربائه الذي كان يعمل بائعاً متجولاً، وحين عُرض العمل على مسرح برودواي، حقق نجاحاً فورياً، وحاز على جائزة "بوليتزر" الأدبية عام 1949، لتشكل مسرحيته هذه منعطفاً بارزاً في حياته الأدبية.
ومثل جميع الأعمال الكلاسيكية، فإن "موت بائع متجول" تصلح لمختلف الأزمنة والعصور. إذ تنتقد الرأسمالية ومعايير النجاح التي تعتمد على العنصر المادي وحده.
عائلة وأزمات
تبدأ المسرحية بعودة البائع العجوز ويلي لومان من أحد أسفار العمل، والذي مني بالفشل. وبعد أن كاد يتعرض لحادثين خلال قيادته السيارة، نجده يدرك أن عليه التوقف عن القيادة.
وحين تدرك زوجته ليندا، عدم قدرته على السفر كبائع جوال، تقترح عليه أن يطلب من رئيسه هاورد، نقله إلى العمل في مكاتب نيويورك حيث يقيمون.. ويرحب لومان بالفكرة، خاصة وأنه يعتبر نفسه من أكفأ البائعين في الشركة.
يتعرف القارئ أو المشاهد بعدها، ضمن العمل، على خلفية عائلة لومان، التي تضم زوجته ليندا وولديهما الشابين: بيف وهابي. وكان بيف قد عاد للتو إلى بيت العائلة، عقب عمله في مزرعة تقع في الغرب. ويعتقد ويلي أن بإمكان ابنه البكر بيف، أن يحقق النجاح والثروة بسهولة ويسر.
لكنه يهدر مواهبه وقدراته في العمل كسائق شاحنة. وفي ليلة عودته من رحلته، يبدأ ويلي في رؤية ومضات من ماضيه. ويتخيل مجموعة مشاهد يتحدث من خلالها مع أشخاص، كأنهم موجودين في الواقع.
ويدخل في جدل. ومن ثم يعلو صوته ويشرع في الصراخ.. يحس بيف بالمسؤولية ويجد أن عليه ترميم العلاقة مع والده، ويجدر به التصرف. وبذا يقرر الاستدانة من بيل أوليفر، أحد مديريه ليبدأ عمله (مشروعه) الخاص.
ومع استمرار حالة ويلي، تعترف ليندا لولديها، في أنها وزوجها، يقبعان في ضائقة مادية. والأسوأ، أن ويلي حاول الانتحار. وتحمل ولديها أسباب قلقها.. ويحتدم النقاش بينهما، ليبدأ جدل جديد بين بيف ووالده. وهنا يتدخل هابي فيخبر والده بمشروع بيف الجديد. ويشعر ويلي آنذاك، بالسعادة، ومن ثم يذهب الجميع إلى النوم.
وحين يقابل ويلي مديره، في اليوم التالي، ويطلب منه نقله، يفاجأ أنه يرد بطرده من العمل. ونتيجة الصدمة، يبدأ في الهلوسة. ويعود إلى الحديث مع أشخاص متخيلين في طريق عودته للقاء ولديه في أحد المطاعم.
كما يدرك بيف أن حلمه باستدانة المال لتأسيس عمله فكرة جنونية.. وأنه لن يتمكن مطلقاً من الحصول على قرض، وفوق كل ذلك، أنه وعائلته، عاشوا في كذبة كبيرة طيلة حياتهم.
وعندما يصل ويلي المطعم، ويسأل عن الأخبار السعيدة، يجد بيف صعوبة في إطلاع والده على الحقيقة، ويحاول ويلي العودة إلى أحلام الماضي، تحديداً تلك اللحظات التي اكتشف فيها ابنه بيف، علاقته مع إحدى النساء في بوسطن. وبينما كان الوالد غارقاً في أحلامه، يترك بيف وهابي والدهما، ويغادرانه صحبة صديقتين لهما.
"مجرد فاشل"
يعود الشقيقان لاحقاً إلى البيت ليجدا والدتهما في انتظارهما، ويلتقياها بينما الغضب يهيمن عليها لتركهما ويلي (الأب) في المطعم. وتتصاعد حدة الجدال بينهم.. ولا أحد يرغب في الاستماع إلى ما يود بيف قوله..
لكنه ينجح في توصيل وجهة نظره، المتمثلة في عدم قدرته على تحقيق توقعاتهم غير الواقعية بشأن مستقبله، وجعلهم يتقبلون الحقيقة في أنه مجرد إنسان فاشل.. وكذا كونه الوحيد الذي يدرك أنهم يعيشون في كذبة.
وتنتهي ليلة الجدل بإدراك ويلي، أنه على الرغم من فشل بيف فإن الأخير يحبه بعمق. وللأسف لا يستطيع ويلي تجاوز جزئية "الفشل". ويستغرق في أحلام جديدة، يرى فيها أن السبيل الوحيد ليحقق لابنه أحلامه، الانتحار. إذ يمكن لبيف، حينها، تحقيق مشروعه من خلال مال بوليصة التأمين.
وما هي إلا دقائق إلا وتسمع العائلة صوت اصطدام عنيف، ليكتشف الولدان وأمهما أن ويلي قتل نفسه بحادث سيارة متعمد (جراء السرعة الكبيرة).
"نحن أحرار"
ذهول كبير يعتري ليندا وهابي، خلال مراسم جنازة ويلي (الأب)، بفعل عدد المعزين الضئيل. وهنا يقول بيف، إن ويلي عاش أحلام غيره.. لكن شارلي، صديق ويلي- الموجود في المراسم- وجاره، يدافع عنه مؤكداً أنه كان ضحية لمهنته. وعندما يهم بيف في المغادرة، يباشر إلى دعوة هابي إلى العودة معه نحو الغرب.
لكن الأخير يرفض ويقرر البقاء في نيويورك لمتابعة إجراءات وأوراق موت والده. وفي الخضم، نجد ليندا تخاطب روح زوجها، سائلة إياه الغفران لها، لعدم قدرتها على البكاء. إلا أنها تنفجر فجأة بالنحيب. وتشرع تردد: "نحن أحرار...".
«عين المجتمع»
عدت أعمال آرثر آشر ميلر (1915 2005)، عين المجتمع الأميركي. وذلك من منطلق الجانب الإنساني الناضج والناضح فيها، خاصة في الحقبة ما بين 1940 و1950. وأيضاً خلال فترة بداية الستينات من القرن العشرين. وحازت أعماله على جوائز عديدة، من ضمنها: "بوليتزر للدراما".
ولد ميلر في كنف عائلة ثرية، لكنها فقدت ثروتها في مرحلة مراهقته.. وهو ما دفعه إلى خوض غمار جميع المهن والأعمال الصغيرة ليتمكن من متابعة دراسته. ومن ثم، عمل في مرحلة الدراسة الجامعية، في حقل الصحافة، وباشر، في تلك المرحلة، كتابة مسرحيته الأولى: "ما من أوغاد".
يتمثل العمل الأول الذي عرض لميلر على مسرح "برودواي"، في (الرجل الذي كان ينعم بكل الحظ).. في العام 1944. وأعقاب ذلك، فازت مسرحيته (كلهم أبنائي) بجائزة (دراما كريتيكس سيركل). وفي 1949 منح جائزتي بوليتزر و(دراما كريتيكس أوارد)، عن أشهر أعماله: (موت بائع متجول).
تزوج ميلر عام 1956 من الممثلة مارلين مونرو. وبعد انفصالهما سنة 1961، اقترن في عام 1962، بالمصورة النمساوية اينغبورغ موراث، التي توفيت في 2002، في مدينة نيويورك. ولديه ولدان من زوجته الأولى، ماري غريس سلاتيري، التي تزوجها عام 1940. وأيضاً اثنان، من اينغبورغ موراث

الثلاثاء، 9 يوليو 2013

الحرب والسلم

«الحرب والسلم»

أسطورة الأدب الروسي والعالمي


تعتبر رواية "الحرب والسلم"، للروائي الروسي ليو تولستوي (1828 1910)، من روائع الأدب الكلاسيكي، منذ نشرها عام 1869 وحتى يومنا هذا. وتمثل أسطورة الأدب الروسي والعالمي. وهي عمل ملحمي يتناول بالتفصيل، أحداثاً في إطار احتلال فرنسا لروسيا، وتأثيرات عهد نابوليون ومجتمع القيصر، من خلال عيون خمس عائلات أرستقراطية.
وتعرف الرواية، التي نشرت في البداية على حلقات بعنوان (عام 1805)، في مجلة "المراسل الروسي"، ما بين عامي 1865 و1867، بأنها إحدى أطول الروايات التي كتبت عبر التاريخ. وتصنف بالرواية السابعة في طولها، ضمن الأعمال التي كتبت بالأحرف اللاتينية. وتضم أربعة مجلدات.
ووصف تولتسوي روايته هذه: "إنها ليست برواية أو حتى قصيدة أو تسلسل تاريخي". كما اكد أن أبرز الأعمال في الأدب الروسي لا تتطابق مع المعايير التقليدية المتعارف عليها. وتميزت الأجزاء الأخيرة من العمل، بتحول السرد إلى مناقشة فلسفية.
1812
تدور أحداث الرواية قبل 60 عاماً من الزمن الذي كتبت فيه، وتحدث مع الأجداد الذين عاشوا خلال الحرب واحتلال الفرنسيين لروسيا عام 1812. وعليه، فإن الرواية تشتمل على سمة المصداقية التاريخية، المحكية في إطار أدب الخيال. ونتيجة بحوثه وقراءاته، أوصل تولستوي عدد شخصيات الرواية لما يقارب 160 شخصية. كذلك ترجمت إلى اللغة الإنجليزية وحدها، أكثر من 11 مرة.
احتلال موسكو وعلاقات عائلية
اللافت في الرواية كتابة تولستوي بالروسية والفرنسية، سواء في السرد أو في الحوارات. إذ تتنقل الشخصيات في كلامها، بين اللغتين. ويعكس هذا الجانب، واقع حياة المجتمع الروسي الأرستقراطي في القرن 19، حين كان استخدام الفرنسية يعكس رقي الفرد ورفعة مكانته.
ونتبين في الرواية، أنه تنحسر المفردات الفرنسية تدريجياً، مع وصول الحروب إلى أوجها، واحتلال موسكو وإحراقها. لتغيب تماماً من النص. وهو ما يعكس عودة الروس إلى ثقافتهم، والتحرر من هيمنة الثقافة الأجنبية.
تبدأ أحداث الرواية عام 1805، خلال حكم القيصر ألكسندر الأول حفيد كاثرين العظمى، وحتى احتلال الفرنسيين لروسيا عام 1812 في عهد نابوليون. ويتعرف القارئ على الأحداث التاريخية والاجتماعية، عبر تفاصيل تداخل علاقات خمس عائلات أرستقراطية: آل بزوخوف، آل بولكونسكي، آل روستوف، آل كوراجين، آل دروبيتسكوي.
تتصف عائلة آل بزوخوف، بالثراء الواسع وبتفكك الروابط الأسرية، أما آل بولكونسكي فإضافة إلى ثرائهم خدموا في بلاط كاثرين العظمى، بينما يتمثل ثراء أسرة آل روستوف في موسكو بالعقارات والأراضي دون توفر المال مع ترابط أسري قوي وإن كانوا يعيشون الحياة بلحظتها دون اعتبار لمواردهم. ويثر أبناء عائلة آل كوراغين الثلاثة الكثير من التساؤلات، وأخيراً عائلة آل دروبيتسكوي التي تجمع بين أصول نبيلة وضيق الحال.
نقطة الانطلاق
تبدأ أحداث الرواية من مدينة سانت بطرسبرغ عام 1805، مع بداية اجتياح نابليون غرب أوروبا. ومن ثم تخوف روسيا إزاء ذلك. ويقدم العديد من شخصيات الرواية في حفل اجتماعي. إذ يجري التعرف على شخصيات كل أسرة من الانتهازيين ومقتنصي الفرص والوصوليين.
قصص اجتماعية وتحركات رسمية
نتعرف في العمل على انطلاق تحركات قوات الجيش الروسي مع حليفة روسيا، آنذاك، الإمبراطورية النمساوية. ويذهب كل من: الشاب الطموح والذكي أندرو بولكونسكي والفتى المتهور نيكولاس روستوف، إلى الجبهة.
وبينما يصاب أندرو بجرح وتنقطع أخباره عن أسرته ويعتبر من ضمن القتلى، يصبح بيير بزوخوف، الشاب غريب الأطوار، الوريث الشرعي لوالده الثري، فيتزوج الفتاة الجميلة هيلين كوراغين في عجالة. وسرعان ما يكتشف بيير خيانتها له. ثم يدعو عشيقها إلى المبارزة، ويحاول الخروج من احباطه بالانضمام إلى الماسونية.
وفي موسكو، تتصادف عودة أندرو إلى أسرته، مع ولادة زوجته ليزا، والتي تفارق الحياة ما أن تضع مولودها. ويكرس أندرو وقته لابنه ولإدارة العقار. كما تحاول هيلينا استسماج بيتر وطلب العفو عنها، وبعد مضي فترة زمنية، يغفر لها.
يدرك أندرو عبثية فكرته، لدى زيارته سانت بطرسبرغ، القاضية في مقابلة الإمبراطور واطلاعه على المخطط العسكر الذي وضعه. وهناك يقابل ناتاشا، من أسرة روستوف، ويرتاح لها. وسرعان ما يطلب يدها للزواج. إذ لا تتأخر في الموافقة على ذلك. لكن والد آندرو يعارض الزواج ذاك. فيسافر إلى الخارج لمدة عام. وتتداخل القصص وتحاك الدسائس، هنا وهناك، بين الأقارب والمعارف، تبعاً للغايات والمصالح.
«بوردينو»
تقدم في مجريات أحداث الجزء الثالث من الرواية، عمليات بدء معركة بورودينو عام 1812، والتي يحتل نابليون على اثرها، موسكو، مع وقوع خسائر كبيرة في الأرواح لدى الطرفين. وتقصف القوات الفرنسية عقار الأمير بولكونسكي، الذي يصاب بذبحة صدرية، إذ يفارق الحياة عقبها. كما يتعرف القارئ على شخصية القائد نابليون، المتعجرف والنرجسي، الذي يدير المعركة مع عدد من الجنرالات المحنكين.
وتنفتح الرواية على صفحات سرد موسع عن طبيعة الحرب في بورودينو، بعد عودة بيير إلى الجيش، ومشاهدته أرض المعركة التي بدت له كالمجزرة، حيث اكتست بجثث القتلى من الجانبين. وما إن يدخل نابليون موسكو، حتى يشرع بيير في التخطيط لقتله.
ونختبر ماهية الحرب من منظار آخر، عبر أندرو، الذي يشهد في خيمة الإسعاف، مآسي الحرب ومعاناة الجنود، لنعيش معه لحظة إنسانية نجد آندرو يدرك من خلالها، مدى حبه الكبير للإنسانية جمعاء، حتى لأعدائه.
وفي أثناء انتظار بيير ظهور بونابرت، ينقذ ضابطاً فرنسياً من الموت، وأيضاً طفلة من الحريق الذي دمر نصف موسكو. إضافة إلى إنقاذه شابة من محاولة اغتصاب من قبل جندي فرنسي، لينتهي به الأمر معتقلاً لدى القوات الروسية، ذلك بتهمة التسبب في الحريق.
ويعي بيير من خلال مرافقته للمعتقل الآخر معه، بلاتون (الفلاح)، قيمة الحياة كهبة إنسانية. وتسهم المليشيات في تحريره من الأسر، ومن جانب آخر، يفارق أندرو الحياة بعد لقائه بناتاشا، خلال وجوده مع قوات المقاومة.
وتتطور أحداث الرواية مع الحرب، ليعاد إعمار موسكو بموازاة موت الكثيرين. إذ تعاود الحرب صوغ تفكير العديد من الشخصيات الرئيسية في العمل، مثل: بيير الذي تربطه علاقة حب بناتاشا.
وتنتهي الرواية بجدال بين بيير ونيكولاي، حول سلبيات الامبراطور الكسندر، الذي استغرق في الدين، تاركاً البلاد في أيدي حفنة من الاندفاعيين. وينوه بيير إلى قيام الامبراطور ببعض التغييرات في النظام، في حين يصر نيكولاي على الدفاع عنه بصورة من الولاء المتعصب.
1805
بدأت كتابة تولستوي عن الحروب خلال خدمته في حرب "القرم"، عبر مجموعة من قصصه ورواياته القصيرة. أما روايته "الحرب والسلم". فبدأ في كتابتها بعد زواجه واستقراره في بيته.
وكتب تولستوي النصف الأول من المجلد الخاص بهذه الرواية، تحت عنوان "1805"، وأنجز المسودة الأولى من الرواية سنة 1863. ومن ثم نشر بعض الأجزاء منها في العامين التاليين. وخلال كتابته للنصف الثاني، قرأ بكثافة وتعمق، أعمال الفيلسوف الألماني شوبنهاور (1788 1860)، الذي اعتبره أحد أبرز ملهميه.
كما شرع في تطوير قناعاته الخاصة عن التاريخ ودور الأفراد فيه. وقرأ تاريخ معظم ما كتب عن حروب نابوليون، بالروسية والفرنسية. ومجدداً، أعاد كتابة الرواية بأكملها خلال الفترة بين عامي 1866 و1869، ليجمع فيها، بين أسلوب السرد التاريخي والروائي.
في السينما
1915 قدم أول فيلم روسي عن الرواية.وإخراج فلاديمير غاردين.بطولة: غاردن وراقصة الباليه فيرا كارالي.
1956 فيلم أميركي حمل اسمها. إخراج كينغ فيدور. وبطولة: أودري هيبورن، هنري فوندا، ميلي فيرير.
1966 أطلقت نسخة الفيلم الروسي للرواية، للمخرج سيرغي بوندارشو. بطولة ليودميلا سافيلييا بدور ناتاشا بولكونسكي.
في التلفزيون
1972 أنتجت محطة البث البريطانية بي بي سي، مسلسلاً اقتبس عن الرواية،من بطولة: أنطوني هوبكنز،روبرت ديفيس.إخراج :جون ديفيس.
2000 أنتج التلفزيون الفرنسي فيلماً عن "الحرب والسلم".إخراج فرنسوا روسيلون. ولعب دور بيير فيه، روبرت بروبيكر.
2007 أنتج التلفزيون الإيطالي العمل، كحلقات قصيرة،. من إخراج: روبرت دومهيلم.

وداعاً للسلاح

«وداعاً للسلاح»

لغة الحب تهجو الحروب

استلهم الروائي الأميركي، إرنست همنغواي، عنوان روايته "وداعاً للسلاح"، التي نشرت عام 1929، من قصيدة درامية للشاعر جورج بيلي في القرن السادس عشر. وهي تعد من الأعمال الأدبية التي تجاوزت بزخمها حدود النص.
تستمد الرواية ديمومتها، من قاعدة ثراء نصها الأدبي الذي تجاوز بزخمه، قدرات الكاتب نفسه، كذلك نبرة الاستنكار العالية والمهارة في تعرية أهوال الحروب، تحديداً الحرب العالمية الأولى. ويوازي تلك النبرة، شغف كبير بالإبداع والكتابة وتحويل الكلمات إلى حروف من ذهب، مع كثافة في المشاعر المحملة بين السطور.
خصوصية
تتجلى خصوصية النص من خلال مقتطفين من ما ذكره همنغواي في مقدمة إحدى طبعات روايته: "أذكر أنني عشت خلال كتابتي لهذه الرواية أسعد أوقات حياتي، كنت أعيش في الكتاب وأصنع أحداثه كل يوم. كنت أشكل المدينة والناس والأشياء التي حدثت. في كل يوم أقرأ ما كتبت منذ البداية وحتى اللحظة التي يتوجب عليّ متابعة الكتابة. وكل يوم كنت أتوقف وأنا لا أزال في حالة معنوية جيدة، وأعرف ما الذي سيحدث لاحقاً".
ويضيف همنغواي في حديثه بالخصوص: "لم تسلبني تراجيديا الكتاب سعادتي، لقناعتي أن الحياة نفسها تراجيديا ونهايتها واحدة. لكن ادراك أن بإمكان الإنسان اختلاق شيء ما، والإبداع بما يكفي من المصداقية، كفيل بجعلك سعيداً لدى قراءته، لأعيش سعادة لم أعرف مثلها من قبل. وإزاؤها تغيب معاني التفاصيل".
عمق إبداعي
الطريف أن همنغواي كتب 39 خاتمة للعمل، وقال في مقابلة مع "باريس ريفيو" عام 1958: "كلمات رواية (وداعاً للسلاح) الأخيرة، كتبتها 39 مرة، قبل شعوري بالرضا عن الخاتمة".
تقسم الرواية إلى خمسة مجلدات. ونتعرف فيها على شاب أميركي يقود سيارة اسعاف الصليب الأحمر في إيطاليا، خلال الحرب العالمية الأولى، يدعى الملازم هنري. ولا نتعرف على اسم الراوي الكامل إلا في المجلد الثاني من الرواية.
وتدور الأحداث أو الذكريات التي يسردها الراوي فريديريك هنري، في الماضي. والشيق في الرواية أن القارئ لا يعرف عمر الراوي، ومكانه لدى سرده قصته. أو أي شيء عن عمره خلال الأحداث التي مر بها، تاركاً للقارئ التكهن بها عبر زمن الرواية. ويقدر النقاد زمن الرواية بما يقارب الست سنوات. وفي طبيعة الحال، يتجلى أو يستنتج تقدير السنوات تلك، بفعل المعارك التي يصفها الراوي.
أحداث تصاعدية
تحكي الرواية، في مجلدها الأول، قصة لقاء هنري، بوساطة صديقه رينالدي، الفتاة كاثرين باركلي الانجليزية، التي تعمل كممرضة في بلدة غوريزيا، حيث يقع مستشفى الصليب الأحمر. وتبدأ بينهما علاقة رومانسية. لكن، وعندما يجرح هنري في إحدى المعارك، يرسل إلى مستشفى في ميلانو.
ويصل هنري إلى المستشفى الأميركي في ميلان، ضمن أحداث المجلد الثاني. ومن ثم تلحق به كاثرين إلى هنا، من دون تردد، وحين يراها أمامه، يدرك حبه العميق لها. وتتطور العلاقة بينهما في أثناء فترة تعافي هنري من جراحته، طوال ثلاثة أشهر، وشربه المبالغ به للكحول.
تخبر كاثرين هنري، انها حامل في الشهر الثالث، فيخطط الاثنان لقضاء إجازة نقاهته معاً، لمدة ستة أسابيع. وعندما تضيق رئيسة المستشفى الآنسة فان كامبن، ذرعاً بإدمان هنري الكحول. وكذا بنبرته الوقحة، ترفض طلب إجازة نقاهته، ثم تأمر بإعادته إلى غوريزيا. فيمضي الحبيبان، الليلة الأخيرة لهما في ميلانو، في أحد الفنادق. ويستقل هنري، عقبها، قطار منتصف الليل. وهما لا يعلمان إن كان سيكتب لهما لقاء آخر.
يستغرق هنري، في الجزء الثالث، في مهمة انسحاب الإيطاليين من أحد المناطق بعد اقتحامها من النمساويين. وخلال إحدى جولاته، تنغرز عجلات السيارة في الطين، ما يضطرهم إلى تركها والمتابعة سيراً. وحين يطلب هنري من الجنديين اللذين يرافقاه وزميله، مساعدتهما في إفراغ محتويات السيارة، يطلق النار ويقتل أحدهما، بعد رفضهما تقديم العون. وتلك هي المرة الأولى التي يقتل فيها.
يعتقل هنري في مقر "بوليس المعركة" حيث يجري التحقيق مع المشتبه بخياناتهم وإعدامهم، والتي كانت (الخيانات)، حسب زعمهم، سبب هزيمة الإيطاليين. وبعد مشاهدته وسماعه عن التحقيقات التي تنتهي جميعها بالإعدام، يرمي هنري نفسه بالنهر وينجح في الهرب.
بحث فلقاء فمأساة
يذهب هنري، في تفاصيل وحبكة المجلد الرابع ضمن الرواية، إلى ميلان، باحثاً عن كاثرين التي انتقلت إلى بلدة أخرى. وبعد تدبير أمره وارتدائه الثياب المدنية، يتوجه إلى ستريسا حيث تقيم. وبأعجوبة، يعثر عليها. فيمضي الاثنان بضعة أيام في سعادة كاملة، حتى يصل إلى علمه في منتصف إحدى الليالي، أمر القبض عليه لهربه من الخدمة العسكرية. ويتبنى الاثنان خطة جريئة فيهربان بالقارب إلى ضفاف شاطئ في جوار سويسرا، وينجحان في إقناع السلطات السويسرية، أن زيارتهما خاصة بالرياضات الشتائية، وهكذا يسمح لهما بالاستقرار هناك.
وتطلعنا الأحداث في المجلد الخامس، على كيفية استئجار العاشقين كوخاً جبلياً، ذلك قبل شهر من ولادة طفلهما. ثم ينتقلان إلى فندق قريب من أحد المستشفيات. كما نقرأ كيف تتعسر ولادة كاثرين، إذ تخضع لعملية قيصرية، ويولد الطفل. لكنه يموت بعد فترة قصيرة، وسرعان ما تلحق به كاثرين، بعد نزيف حاد تملك منها.
في السينما
1932 استلهمت السينما الأميركية فيلمها الأول من الرواية، في فيلم أخرجه فرانك بورزاجي،بطولة: هيلين هييز وغاري كوبر. و سيناريو: أوليفر غاريت وبنجامين غليزر. ونال جائزة أكاديمية عن أفضل تصوير وهندسة صوت.
1957 قدمت سينما دولوكس كولور سكوب، فيلماً من وحي الرواية، أخرجه شارلز فيدور. بطولة: روك هيدسون وجينيفر جونز وإيلين ستريتش.
في الإذاعة1932 قدم مسرح لوكس في أميركا، رواية " وداعا للسلاح"، للإذاعة، ضمن مسلسل مؤلف من 127 حلقة. من بطولة كلارك غيبل وجوزيفين هاتشينسون وجاك لا رو. وكانت الحلقات تقدم بثاً مباشراً لمدة ساعة في الاستوديو، بحضور جمهور كبير. وقدم العمل في السنوات اللاحقة من قبل إذاعات عديدة. وأدى الأدوار فيها، ممثلون مختلفون، مثل: ميريام هوبكنز وجون بولز.
بطاقة
كان إرنست ميللر همنغواي الذي ولد عام 1899 في إحدى ضواحي شيكاغو، كاتباً وصحافياً. وحقق أسلوبه في الكتابة، تأثيراً كبيراً على ساحة الأدب الروائي في القرن العشرين. وأثرت سمات شخصيته ومغامراته، بعمق، في الأجيال اللاحقة. وأصدر معظم أعماله خلال الفترة ما بين 1920 و1950.
كما فاز بجائزة نوبل للآداب عام 1954. وفي عام 1959 استقر في بيته الجديد بإيداهو حيث انتحر صيف عام 1961. نشر همنغواي سبع روايات وست مجموعات قصصية قصيرة، وعملين في الأدب الواقعي. كما نٌشر له بعد وفاته، 3 روايات، و4 مجموعات قصصية قصيرة، و3 أعمال في الأدب الواقعي.